حين يصبح البيت فخاً: اختناق بلا صوت ولا رائحة

حين يصبح البيت فخاً: اختناق بلا صوت ولا رائحة
منقل حطب

18-01-2026 09:40 PM

في كل شتاء، ومع أول موجة برد حقيقية، نعتقد أننا أمام اختبار يتكرر لمدى وعي المجتمع بأبسط قواعد السلامة، ونرى للأسف أن النتائج لا تختلف كثيرًا عن الأعوام السابقة. فحوادث الاختناق والغرق وغيرها من المآسي الموسمية لم تعد مجرد أخبار عابرة، بل باتت مؤشرًا مقلقًا على خلل عميق في ثقافة الوقاية، رغم وفرة التحذيرات وتكرارها.

إن ما شهدته المملكة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية من أرقام صادمة في عمل الدفاع المدني، وما رافقها من وفيات مؤلمة، يدفعنا إلى أن نستنتج بوضوح أن المشكلة لم تعد في نقص التعليمات أو غياب الجهات المعنية، بل في الاستهانة المستمرة بخطر معروف ومتوقع. ويبدو أن الاعتياد على التحذير أفقده تأثيره، حتى بات يُستقبل بوصفه جزءا من المشهد الشتوي لا أكثر.

لا بد أن نتوقف مليا أمام حقيقة وفاة ستة أشخاص في يوم واحد، في حوادث متفرقة بأسباب متشابهة. فاختناق طفلين في معان بسبب منقل حطب داخل منزل مغلق، ووفاة مواطن في الكرك نتيجة مدفأة، وحادثة غرق في الجيزة، كلها تشترك في عامل واحد: غياب إجراءات السلامة، سواء داخل المنازل أو في محيطها. وهذا يقودنا إلى نتيجة مؤلمة مفادها أن الخطر ليس خفيًا ولا مفاجئا، بل معروف ومتكرر، ومع ذلك يُتعامل معه بقدر كبير من اللامبالاة.

نرى أن أخطر ما في هذه الحوادث هو أنها تقع غالبًا في أماكن يفترض أن تكون الأكثر أمانًا: المنازل. ويبدو أن الاعتقاد الخاطئ بأن السيطرة على مصدر التدفئة تعني السيطرة على الخطر لا يزال سائدًا، في حين أن غاز أول أكسيد الكربون، عديم اللون والرائحة، لا يمنح ضحاياه فرصة للنجاة أو حتى للإحساس بالخطر. وهنا يجب أن نؤكد أن فتح نافذة صغيرة أو الاعتماد على “الخبرة المنزلية” لا يشكلان بأي حال من الأحوال ضمانة للسلامة.

إن الأرقام التراكمية، والمقارنات مع مواسم شتاء سابقة، تدفعنا إلى الاستنتاج بأننا أمام نمط متكرر لا يتم التعامل معه بجدية كافية. ففي كل عام، تتغير أسماء الضحايا وتبقى الأسباب ذاتها، ويتكرر المشهد نفسه من الحزن والندم بعد فوات الأوان. ورغم الجاهزية العالية التي تبديها كوادر الدفاع المدني، ومعدلات الاستجابة التي تُحسب لها، إلا أن الواقع يثبت أن سرعة التدخل لا تنقذ أرواحًا تُسلب خلال دقائق داخل غرف مغلقة.

لا بد أن نقر بأن الضغط الاقتصادي، واللجوء إلى وسائل تدفئة أقل كلفة، يسهمان في تفاقم المشكلة، لكن ذلك لا يبرر تجاهل الحد الأدنى من شروط السلامة. ويجب أن يكون واضحًا أن الوقاية لا تحتاج إلى كلفة عالية بقدر ما تحتاج إلى وعي ومسؤولية، فمعظم هذه الحوادث كان يمكن تفاديها بإجراءات بسيطة ومعروفة.

إن تسجيل هذا العدد من الوفيات مع بدايات الشتاء يجب أن يُقرأ كإنذار مبكر، لا كحدث عابر. ويجب أن يدفعنا ذلك إلى إعادة طرح سؤال جوهري: لماذا لا يتحول التحذير إلى سلوك؟ ولماذا ننتظر دائما وقوع الفاجعة لنعيد التذكير بما هو بديهي؟

نعتقد أن المسؤولية هنا مشتركة، لكنها تبدأ من الفرد داخل منزله. فالدولة تحذر، والدفاع المدني يستجيب، والأرقام تُنشر، لكن الحلقة الأضعف تظل في الاستهانة اليومية بالخطر. ويبدو أن تغيير هذا الواقع لن يتحقق إلا عندما ننتقل من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الوقاية، ومن التعامل مع السلامة كخيار إلى اعتبارها واجبًا لا يقبل التهاون.

وفي المحصلة، لا بد أن نقول بوضوح: إن حوادث الاختناق المتكررة ليست قدرا محتوما، بل نتيجة خيارات خاطئة تتكرر. ويجب أن يكون هذا الشتاء نقطة مراجعة حقيقية، قبل أن نضيف أسماء جديدة إلى قائمة ضحايا كان يمكن إنقاذهم.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

صادرات صناعة إربد تتضاعف لتلامس 1.3 مليار دولار

العنف ضد الرجال بالمغرب .. قراءة في المؤشرات الرسمية والتحديات التشريعية

بيروت وباريس تبحثان تثبيت الاستقرار جنوبا ووفد عسكري لبناني إلى اجتماع تامبا

ماكرون يتعهد بالحزم ولوكورنو يندد بـ "العنف الشديد" .. تفاصيل

نتنياهو يشكك باعتداء المستوطنين على الدبلوماسيين الأوروبيين

ارتفاع إصابات إيبولا في كينيا إلى 7 حالات والسلطات تعزل 128 مخالطا

المستوطنون .. من استهداف المزارعين إلى مهاجمة السفراء والسيارات الدبلوماسية

"البابا" يعود إلى الفاتيكان بعد عملية جراحية

السلطات المكسيكية ترفع درجة الجاهزية لمواجهة الإعصار "ترودي"

هالاند وفودين يمنحان مانشستر سيتي فوزاً شاقاً على إبسويتش تاون

الترخيص المتنقل في الأزرق والرصيفة غدا

افتتاح مهرجان الرمثا للشعر ومشاريع ثقافية باللواء

الأردن يدين اعتداء المستوطنين على الدبلوماسيين الأوروبيين

الصفدي وبن فرحان يبحثان هاتفيا جهود خفض التصعيد في المنطقة

نقابة الأطباء: لا انتقاص من حقوق طبيب أو مريض .. تفاصيل