الحاجة الماسة إلى الإستراتيجية الإدارية للمنشآت التجارية

 الحاجة الماسة إلى الإستراتيجية الإدارية للمنشآت التجارية
الكاتب : د. حسين عمر توقه
إنني في بحثي هذا لا أريد التحدث عن الأوضاع الإقتصادية المتردية في الأردن ولا أريد التطرق الى المشاريع التي أعلنت فشلها ولا عن الفساد الإداري ولا عن إرتفاع الأسعار وغلاء المعيشة ولا عن ظروف الثورات العربية التي تحيط  بنا ولن أتطرق الى أطماع إسرائيل في تهويد وضم الضفة الغربية وآثار مثل هذا الضم على الأردن ولا أريد التحدث عن الحرب الخفية للسيطرة على منابع النفط والغاز في منطقتنا العربية ولن أتحدث عن آثار احتلال العراق للكويت وعودة أكثر من مليون أردني الى الأردن ولا عن قيام الولايات المتحدة بغزو واحتلال العراق ونزوح مئات الآلاف من المهجرين الى الأردن ولا عن الحرب الأهلية المستعرة في سوريا وهروب أكثر من ثلاثة ملايين لاجىء سوري إلى الأردن معظمهم لم يتم تسجيلهم في قوائم اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ولا أريد أن أتحدث عن الشرخ الذي يتعاظم بين إيران ودول الخليج ولا أريد أن أتحدث عن صفقة القرن  التي لم تطالعها عين أي مسؤول عربي ولكنني وبكل وضوح أريد أن أتحدث عن افتقار المسؤولين في قمة الهرم الأردني وعلى رأسهم وزارة التخطيط ووزارة الصناعة والتجارة ووزارة المالية وكل القيمين على مئات المشاريع الى أبسط معاني التخطيط الإداري .
 
وسوف أحاول عرض مفهوم الإستراتيجية الإدارية ومجالات تطبيقها بدءاً بتأهيل المسؤولين عن مصائر أبناء هذا الشعب الأردني الطيب
 
مفهوم الإستراتيجية الإدارية:
لقد شهدت العقود الأخيرة  في الدول المتقدمة صناعيا  الكثير من الممارسات والتطبيقات الإدارية  من أجل رفع مستوى  الإنتاج وإعطاء الدافع  والحافز  والتأمين والضمان ورفع مستوى المواطن وبالذات العمال وزيادة كفاءتهم وتحسين قدرتهم على الإنتاج.

ولقد كان لتوزيع الموارد البشرية وإقامة علم مستقل  بإدارة المنشآت  يبحث في أفضل الوسائل  لتحقيق أفضل استخدام  وتحقيق أفضل نتائج وهو ما تعارف عليه في الوقت الحاضر بمسمى الإستراتيجية الإدارية.
 
وهناك أكثر من تعريف  للإستراتيجية الإدارية  تختلف من حيث الصياغة  والشمول ولكنها تتفق إجمالا في المضمون والمحتوى ونورد على سبيل المثال لا الحصر بعضا منها
 
1: الإستراتيجية عبارة عن تحديد الأهداف الرئيسية بعيدة المدى للمؤسسة والمنشأة وتبني الخطط وتخصيص  الموارد الضرورية لتنفيذ هذه الأهداف
2: الإستراتيجية عبارة  عن مدخل محدد لتحقيق أهداف معينة  يتم عادة في الأمد البعيد  وفي ظل حالات المنافسة 
3: الإستراتيجية  خطة موحدة  تتصف بالتكامل والشمول بين قدرات المنشأة  الإيجابية  وتحديات البيئة المحيطة  وتهدف الى تحقيق أهداف أساسية
4: تتمثل الإستراتيجية في جوهرها  في إيجاد مركز تنافس دائم للمنشأة يكفل لها الربح والإستمرار
ويمكن القول  بأن الإستراتيجية في إطار الفكر الإداري المعاصر  عبارة عن خطة  إدارية على مستوى المنشأة ككل . تنبثق  عن سلسلة من القرارات بعيدة الأثر  وتستهدف تحديد رسالة المنشأة  وتبيان هويتها  وتوجيه مواردها  في سبيل الوصول  الى أهداف محددة مرسومة وهي ترتقي الى مستوى الإستراتيجية  حال قبولها من قبل الإدارة العليا وتخصيص الموارد الضرورية من أجل تطبيقها وتنفيذها على مستوى الواقع
 
مراحل إعداد الإستراتيجية:
 
من الممكن إيجاز مراحل إعداد الإستراتيجية وتنفيذها كما يلي
 
أ: تحديد الأهداف
تتمثل المرحلة الأولى  من إعداد استراتيجية معينة في بلورة هدف أو مجموعة أهداف مترابطة  تسعى المنشأة الى تحقيقها  خلال مدة زمنية محددة فالمنشأة ليست هدفا وإنما وسيلة  لتحقيق غايات  أو أغراض معينة  والأهداف هي النهايات التي تتجه الأنشطة كافة في نطاق المنشأة لتحقيقها. والمنطق يقتضي أن يكون الهدف الشامل للمؤسسات  وبالذات المنشآت التجارية ضمن إطار  الهدف العام للنظام الإقتصادي الذي تؤدي المنشآت في ظله دورها.
 
وهذا يعني تقديم السلع والخدمات كما ونوعاً  بما يتلاءم  واحتياجات المستهلكين بإقتصاد وكفاية  وتوضع الأهداف عادة لتشمل عدة مجالات متعددة منها . تحقيق مركز تنافسي مرغوب فيه للمنشأة في ميدان إنتاج السلع أو تقديم الخدمات أو الإرتقاء بمستوى جودتها .
 
وتحقيق الكفاية الإنتاجية في المجالات الإدارية التشغيلية وتحقيق التطوير الإداري  وتنمية قدرات العاملين ومهاراتهم  والإهتمام بفعاليات البحث والتطوير وتخصيص جزء من الأرباح لهذه الغاية وأخيرا توثيق الروابط والصلات بالمجتمع  من خلال الإسهام بمشاريع خيرية أو تقديم خدمات إجتماعية.
 
ب: دراسة الإمكانات وتحليلها 
بعد أن يتم تحديد الأهداف التي ترغب المنشأة في تحقيقها فإن المرحلة اللاحقة تتركز حول دراسة وتحليل الإمكانات البشرية والمادية المتاحة والمؤمل الحصول عليها  وتستهدف هذه الدراسة  الوقوف على البيئة الداخلية للمنشأة من أجل الحصول على المعلومات المتعلقة بمواقع القوة ومواطن الضعف فيها. فالإمكانات  هي بمثابة المحددات  التي تجابه المنشأة  وتشير الى ما يمكن والى ما لايمكن القيام به.
 
وبالتالي تشكل قيودا على البدائل المتاحة المتوافرة لها ويتم عادة دراسة الإمكانات وتحليلها  من خلال الإجابة على مجموعة من التساؤلات ما هو المركز المالي والتنافسي للمنشأة؟ هل الموارد البشرية كماً ونوعاً كافية لتحقيق الأهداف المرسومة؟ ما هو مستوى  الكفاية الإنتاجية وما هي درجة استغلال الطاقة المتاحة؟ هل الأساليب المستخدمة  في مضمار الإنتاج  أو التسويق أو التطوير الإداري  ملائمة  للوصول الى الأهداف المنشود؟
 
ج: دراسة الظروف المحيطة  وتحليلها
إن الغرض الأساسي من دراسة الظروف  البيئية المحيطة وتحليلها هو تشخيص  الفرص المتاحة والتحديات التي تجابه المنشأة والمخاطر  والعقبات التي قد تتعرض إليها .
 
وتمثل العوامل او المتغيرات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية  والتقنية مجمل الظروف البيئية التي هي خارج  نطاق المنشأة  وتؤثر على مسيرتها  وقراراتها تأثيرا حاسماً ويمكن إيجاز هذه العوامل والظواهر كما يلي:
 
1: مجموعة العوامل الإقتصادية وتتضمن ما يلي
 مستوى الدخل القومي. المستوى العام للأسعار وحدة المنافسة وحجم الطلب المتوقع واتجاهاته وواقع الصناعة والإستخدام ومستوى وهيكل الأجور.   
 
2:  مجموعة العوامل الإجتماعية وتشمل ما يلي
العادات والتقاليد والقيم الإجتماعية السائدة، الأنماط الإستهلاكية السائدة ، مستوى مشاركة المرأة.
 
3: مجموعة العوامل السياسية  وتشمل ما يلي
الإتجاه السياسي للدولة ، درجة الإستقرار السياسي ، القوانين والأنظمة والتشريعات ذات العلاقة  بالإستثمارات والمنشآت.
 
4:  مجموعة العوامل التقنية
التطورات المحتملة  في مضمار الإختراعات  والإكتشافات وإحتمالات تطبيق تقنيات جديدة في مجال الإنتاج  أو التسويق أو الإدارة وتؤدي الأساليب  العلمية دورا بارزا متميزا سواء  على صعيد دراسة الإمكانات  المتوافرة وتحليلها  من خلال دراسة أساليب التنبؤات الإقتصادية  وتحليل شبكة الأعمال والميزانيات التقديرية  والبرمجة الرياضية  وتحليل جداول المداخلات – المخرجات ونظرية اتخاذ القرارات ودراسات الجدوى الإقتصادية 
 
د: صياغة الإستراتيجية
بعد عمليتي التقييم الداخلي والخارجي " للظروف المحيطة" يتم وضع الإستراتيجية أو الإستراتيجيات  الملائمة.
 
فالإستراتيجية في صيغتها النهائية  ينبغي أن تنطلق  من السعي  في كيفية تحقيق الإستثمار  الأفضل لموارد المنشأة وتنميتها في ظل الظروف السائدة والمحتملة.
 
وفي إطار التعامل مع  الأنظمة الأخرى  من مستهلكين ومنشآت منافسة ومؤسسات حكومية وموردين من عمال وما الى ذلك .
 
ومن الطبيعي أن استراتيجيات الوحدات الإدارية أو الدوائر  على مستوى المنشأة  تنطلق في أهدافها وأساسياتها من الإطار الشامل  لإستراتيجية المنشأة  ككل وتصب هذه الإستراتيجيات  الفرعية  في نهاياتها  في المجرى العام  للإستراتيجية العريضة  وصولا للإهداف  الموضوعة.
 
وتنصرف استراتيجيات  الوحدات الإدارية الى الوظائف الأساسية والمساعدة للمنشأة وتلبي احتياجاتها كما في حال الإستراتيجيات المتعلقة بالإنتاج  والتسويق والقوى العاملة والمالية والنقل والخزن والتأمين وما غير ذلك.
 
ه:  تقييم الإستراتيجية وتنفيذها
من المؤكد أنه من المتعذر  إصدار  قرار موضوعي  ونهائي خاص بتقدير  مدى سلامة استراتيجية إدارية  معينة وبمدى نجاحها  دون إخضاعها الى التنفيذ .
 
ومن ثم تقييم  الآثار الإيجابية والسلبية التي تنجم عنها. فالإستراتيجية تستهدف إحداث تغيير بما يتضمنه هذا التغيير من مخاطر وعدم تأكد. ومع ذلك فإنه من الممكن  القول بأن هناك عددا  من المتغيرات  التي تعتبر بمثابة مؤشرات  يمكن الإستئناس  والإسترشاد بها  في تمييز الإستراتيجيات  الفعالة والجيدة  عن غيرها من الإستراتيجيات . وتتركز هذه المؤشرات  حول معرفة مدى ملاءمة  الإستراتيجية المختارة  في تحقيق الأهداف المرسومة ومدى واقعيتها في تشخيص الظروف  البيئية المحيطة.
 
والموارد المتاحة للمنشأة  إضافة الى مدى التزام الإدارة العليا  بتنفيذها ومتابعتها. ومستوى مشاركة المديرين  في بلورتها وإعدادها.
 
وكما هو واضح  فإن الإستراتيجية  تتمثل  في برنامج عمل  هادف يرمي الى تحقيق غايات معينة في إطار موارد تتسم  بالمحدودية  . إضافة الى ذلك  فإنها تمثل واقعا يتصف بعدم التأكد وكما أشرنا آنفا فإنه من الضروري  أن تكون أهداف الإستراتيجية مرنة وقابلة للتعديل أو التغيير طبقاً لما قد يستجد من ظروف غير متوقعة  إضافة الى إخضاع تنفيذها الى توقيت زمني دقيق .
 
ولا تخفى  أهمية مشاركة  المديرين في بلورة  الإستراتيجيات وتطويرها لضمان قبولها وتنفيذها فالمشاركة الفعالة تسهم في رفع معنويات المديرين  وتؤدي دوراً هاماً في تحقيق الإستخدام الأقصى لعقول المنظمة وقدراتها.
 
فوائد الإستراتيجية
تعد صناعة الإستراتيجية وظيفة أساسية في العملية الإدارية وتشكل حجر الزاوية لها . فهي الوظيفة التي تسبق جميع الوظائف الأخرى . وبدونها تصبح المنشأة غير هادفة  وقد أدرك رجال الفكر  والمختصون في الشؤون الإدارية ضرورة  الإستراتيجية وفوائدها . ويمكن إنجاز الفوائد بما يلي
 
1:  تساعد الإستراتيجية في بلورة الأهداف المعينة للمنشأة وتحديدها ووضع سياسات  وإجراءات مستقرة لدوائرها وأقسامها المختلفة . وبالتالي ضمان استمرار فعالياتها وفقاً لأسس ثابتة  بعيداً عن العشوائية  والعفوية.
2: تساعد الإستراتيجية في عملية التنسيق والترابط  بين وظائف المنشأة  إضافة الى تطويرها وفقا لما تقتضيه الظروف واحتياجات  المستقبل.
3: تسهم الإستراتيجية في زيادة الكفاية والفاعلية في مضمار العملية الإدارية كما أنها تؤدي الى تحقيق الإستخدام الأفضل لللموارد البشرية والمادية للمنشأة.
4: تساعد عملية إعداد الإستراتيجية في معرفة عوامل القوة  في المنشأة  والعمل على تقويتها وفي تحديد مواضع الضعف فيها لإتخاذ ما يلزم لتلافيها.
5: تعتبر عملية تخطيط الإستراتيجية مسؤولية إدارية يشارك فيها وبدرجات  متفاوتة مديرون في مستويات مختلفة في الهيكل الإداري لذلك فإنها تؤدي الى زيادة ولائهم وتعميق انتمائهم للمنشأة.
6: نظراً لأن  الإستراتيجية تتضمن صياغة أهداف ووضع معايير محددة لقياس الإنجاز المتحقق ومقارنته مع الإنجاز المخطط له فهي تساعد  في إعداد أسس الرقابة وأحكامها في إطار المنشأة كما تساهم في اتخاذ القرارات الضرورية لمعالجة الإنحرافات وتقصي مسبباتها.
7: تتعلق الإستراتيجية بالإستعداد  والتهيؤ للمستقبل بما يتضمنه  من أحداث وما يتصف به من غموض وعدم تأكد. لذلك فإنها تسهم  في تشخيص الفرص المتاحة والإستفادة منها وفي التصدي للمشكلات المتوقع حدوثها ومعالجتها.
8: الإستراتيجية تجعل هيكل المنشأة أكثر مرونة نظراً لما تحتويه القدرة على التجاوب مع الظروف المختلفة.