المحرر ..سيمون بوليفار

المحرر  ..سيمون بوليفار
الكاتب : أسعد العزوني
حظيت بدعوة كريمة من السفارة الفنزويلية في عمان ، لحضور العرض الخاص للفيلم السينمائي المشغول على الطريقة الهوليوودية ، عن محرر أمريكا الجنوبية الفنزويللي سيمون بوليفار ، المرشح لنيل جائزة الأوسكار العالمية .
 
كان الفيلم ممتعا ، لأنه عرض حياة البطل بكل تفاصيلها ، وأظهر شخصية الثوري بكل جوانبها ، وبالتأكيد فإن المحرر بوليفار يستحق التكريم والتخليد ، فهو بطل أمريكا الجنوبية ومحررها ، رغم أنه إضطر لمغادرة بلده فنزويلا بعد تحريرها وتسلمه رئاسة الجمهورية ، لكن ذلك لم يكن شذوذا عن الدارج ، فالثورات عادة ما تأكل أبناءها ، وصدق القول أن الثورة يصنعها الشجاع ويستفيد منها الجبان.
 
الفيلم تحدث عن إسقاطات سياسية عن العالم العربي المفكك الذي يحتضر منذ العام 1916، ويعاني من اللجوء ونزف الثروات ، وكان بوليفار قبل تفجيره العمل المسلح يدعو لوحدة أمريكا الجنوبية وتأمين مستبقلها وحفظ كرامة شعوبها.
 
الفيلم الهوليوودي عن بوليفار ، أظهر أن الثائر يعرف الحب ويفهمه وينتمي لحبيبته ، وهذا ما فعله بوليفار، كما أظهر الفيلم أن الثائر ليس بالضرورة أن يكون فقيرا معدما ، لأن بوليفار كان ثريا وبرجوازيا ، وقال لحبيبته التي تزوجها شرعا ، وهما في المروج الخضراء أن كا ما تراه وما لا يمكنها رؤيته هو له ، وأنه منذ ذلك اليوم أصبح لهما ، بمعنى أنه لم يكن بخيلا على زوجته ، بل جعلها شريكته في كل أملاكه ، وهذا يعني أن بوليفار كان كريما .
 
كما أن الثائر حلو المعشر ومنفتحا وليس كئيبا منعزلا ، حيث كان بوليفار يظهر في جلساته الأمر الذي كان يقرب الناس منه ، وكان أيضا حصيفا ذكيا ، وحرا بعيدا عن الأنانية ، وإلا لما جاد بروحه ، وإنسلخ عن ثروته وطبقته البرجوازية ، ونجح في تحرير العديد من دول أمريكا الجنوبية إلى جانب بلده فنزويلا ، والثائر بالمجمل صاحب ضمير، وكان بوليفار يغار على حبيبته ويحزن عليها إن مرضت ، كما فعل عندما وقعت زوجته عن الحصان في يوم ماطر ، وقد لازمها في الفراش وأطعمها بيديه وأضحكها وضحك معها وفرح لحملها.
 
كما أسلفنا ، كان بوليفار ثريا ومرتاحا وسعيدا مع زوجته الجميلة ، وكان محبوبا من قبلها ، لكن حال بلده وقارته لم يسره ، فآثر التضحية الحقة من أجل التغيير الإيجابي ،وقاد الثورة ، وقطع أكثر من 70 ألف ميل ولم يهزم جيشه في أي معركة خاضها .
 
كانوا يدعونه المتوحش الشريف ، لكنهم يحسدونه في ذات الوقت على ثروته ، وقال لصديق له بعد جدال أنه لا تهمه الثروة ، وأنه قرر السير قدما في الثورة لتحرير كامل قارة أمريكا الجنوبية ، رغم إعتراض البعض عليه كونه شابا قليل الخبرة القتالية ، وكان جوابه لهم أنه يريد الحرية لبلده ، وبعدها قاد الثورة فعلا وحقق الإنتصار تلو الإنتصار وحرر البلد تلو الآخر، فخلده التاريخ.
 
لم يكن دربه مزينا بالورود أو مرصعا بالذهب الذي تخلى عنه وهجره ، بل واجه الصعاب الكثيرة منها إنكار البعض له ، لكنه صمم ، ومع ذلك كان يحترم معارضيه ومنتقديه ودافع عنهم ، رغم انهم هددوه بالإعتقال وتسليمه لأعدائه الإسبان ، لكنه لم يكترث.
 
كان حازما مع أتباعه ، وأبلغهم منذ البداية أنه عازم على تحرير قارة أمريكا الجنوبية وليس فنزويلا فقط ، وكان فطنا لا يمكن الإيقاع به ، كما أنه كان عنيدا ، وله قولة مشهورة أن حرية الإنسان تكمن في كرامته ، وأن عليهم إحداث مطر مصطنع لغسل عارهم الناجم عن إحتلال وإستغلال قارتهم ، وفي إحدى المراحل ، وعندما سألوه من أنت أجابهم بأنه الشعب .
 
عندما قويت شوكته جاءه من يؤازره من أعداء إسبانيا نكاية بالإسبان ، لكنه كان يعرف كيف يتعامل معهم ويحاورهم ، كونه كان يتقن فن التحالفات ، وكان يصر على أن ما يجري ليس حربا بل ثورة تحررية ، وكان لا يعترف بالحدود ، وقال أن النهر ليس حدودا بل عامل فصل ، وأن أمريكا الجنوبية هي أمة واحدة ، ولذلك أصر على إجتياز النهر وسط معارضة شديدة من قبل معارضيه ، لكنه كسب الرهان في نهاية المطاف.
 
صدق بوليفار مع نفسه ، فصدق مع شعبه ، وإستحق أن يكون بطلا أسطوريا ، ورغم أن ملك إسبانيا آنذاك فيرناندز لم يكن سهلا ولاضعيفا تنقصه الإمكانيات ، لكن الأحرار في كل شعب إن صدقوا مع أنفسهم وشعوبهم يحققون النصر ، وهذا ما حصل مع بوليفار .
 
كان الثائر بوليفار دائم الحديث عن القانون والحرية والعدالة حتى أثناء المواجهات ، وكان يقول لأتباعه أنهم ليسوا في ساحات المعارك هكذا ، بل هم أصحاب قضية ، وأن دم أهلهم وشهدائهم يسري في عروقهم ، وعندها صرخ صرخة مدوية إختلطت بصرخات جنوده ، وبدأت معركة ضارية ذاق فيها الإسبان الأمرين ، رغم عدم التكافؤ في العدد والعدة ، وكان شعاره أنهم يقاتلون من أجل شعبوبهم ، وعندما تحول القتال وجها لوجه كان يصرخ في جنوده :هجوم هجوم ، وتحولت مياه النهر إلى اللون الأحمر لكثرة الدماء المسفوكة ، وكان سيفه بتارا وجنوده أشداء وإنتهت المعركة بالنصر ، وعند ذاك شدد بوليفار من جديد على ضرورة تحرير أمريكا الجنوبية ووتوحيدها ، كما شدد على ضرورة بناء دولة الوحدة والقانون والإنصاف والعدالة والفرص ، حتى لا يعود الإحتلال من بوابة أخرى هي الظلم .
 
رفض بوليفار التبعية لأحد عندما توافد عليه الآخرون لعرض المساعدة ، وهو بذلك رفض “القاتل الإقتصادي ” الذي دمر العديد من دول العالم الثالث الغارقة بالفساد ، لكن المؤسف أنه إضطر لمغادرة بلده فنزويلا بعد تحريرها وتسلمه الرئاسة ، وقضى نحبه منفيا في الخارج .