سلام داخلي - د. صلاح داود

سلام داخلي - د. صلاح داود
فلسفة التغيير
طمأنينة وسلام ونفس مطمئنة وعناق لأرواحنا وكأننا نبحث عن تائه في دواخلنا، هي قول للزمن في عبارة يبحث كل خلق عنها في أحرف أعدنا صياغتها بما يتوافق مع لذتنا المؤقتة أو سعادتنا الدائمة..فأسميناها فرحا وغبطة ومسرة.
 
قبل اللاقبل وفي أزمنة لم نعد نذكرها، عشنا طفولتنا ممزوجة برائحة كلها سعادة، فكان لكل شيء رائحة بنكهة الرضا والسعادة.. كعك أمي وشاي الصباح وقهوة الضيوف ومصروف اليوم وبرامج الأطفال وصوت المذياع وندرة السيارات واحترام الجار ورهبة الأخ الكبير وحنان الأخت وبهجة اللقاء في يوم العيد ورائحة الصابون في حمامنا الأسبوعي المؤلم وحذاؤنا الممزق وكرة القماش حتى رائحة الدخان المسرطنة لسائق سيارة الأجرة كانت كلها متعة وسعادة.
 
سعادة داخلية كسعادة الأطفال في بكائهم لحظة خروجهم من رحمة إلى رحمة، لحظة بحثهم عن عناق لا لون له ولا طعم ولكنه ممزوج برائحة العطف والحنان والأمومة الأزلية الملونة بالأبيض.
 
عالم قديم عندها توقف الزمن وتوقفت معه سعادتنا إلى أن نسيناها وقلنا في يوم من الأيام سمعت بها، عندما كان للبحر لونا أو عندما كان البحر بحرا، ولليابسة خضرة ومروج، وعندما كان للصحراء القاحلة  سعادة للقائها بالمساء صدفة.. فتطفئ لهيب الشوق الذي أشعلته شمس سعادة السهوب المتجمدة وأعالي الجبال.
 
سلام داخلي ونعيم وأمان وتصالح بين ذاتك وذاتك، كانت معنا من قريب من أمس الأمس واندثرت وأسلمت روحها وأقفرت فغشيها مشاجرات ونزاعات وضجر وطلاق لِجنّة أرواحنا وبهجتها.
 
أصبحت تلك السعادة المرجوة والتي نسميها السلام الداخلي  حبيسة لا نسمح لها برؤية النور مزدحمة بآثار خطى لأشياء لم نعتد عليها كالفشل والامتعاض والقهر وهمٍ حمله آباؤنا عنا اسمه الرزق ولقمة العيش.
 
عندما كنا في تلك الأبدية.. سعادة وهدوء فاتن وجدناها في موسم المطر وفي آثارأقدامنا على بياض الثلج وفي بساطتنا وحِلْمنا ورزانة احتياجاتنا، كانت السعادة في كل شيء حولنا.. في مدفئة الكاز وحرارة جواربنا المثقوبة وذلك المعطف الذي أصبح ضيقا على أخي الكبير ولكن حنانه اتسع لكل اخوتي من قبلي حتى احتوتني واحتضنتني.
 
سعادة معنا حيث الزمان والمكان، في قلوبنا ومهجتنا وأرواحنا ووِجداننا، حتى عندما توقفنا في مفترق طريق عمرنا والتفتنا لننظر آثار حبورناوجدناها في سهوتنا تارة وفي غفوتنا تارة أخرى.
 
من قبل الأمر ومن بعده..ما ننشده هو ذلك الهدوء الذي خُلقنا لأجله " لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" في  حقل من الأزهار كالفراشة وربما في موسم للحصاد كالفلاح أو في زوج صالح أو ابن بار أو في سلة خبز ناضج.
 
وللسبيلنهاية..سنستسلم ونُسلِم تلك الروح ونُسلِم معها كل آلامنا ورماد سعادتنا.. في تلك اللحظة سنتذكر تلك الريح التي انتزعت منا طفولتنا وضحكاتنا وبراءة عذبة لشقاوتنا، سنستسلم.. من سعادة إلى سعادة ومن رحمة إلى رحمة ، سنعود كما بدأنا من رحم أمنا إلى رحم أرضنا، بنفس كريمة راضية مرضية.. لنجد ذاتنا في أعمالنا ونياتنا وتفكيرنا.. في حرف تعلمناه وعلّمناه.. في أمر خير وبر ثم شر منعناه..