قمر الصحراء

 قمر الصحراء
الكاتب : د. محمود العمر العمور
لا يعرف سره سوى أديب فارس يجوب الفيافي، ويسهر الليالي،  متلحفا بنوره، متيما بحبه، مقتفيا خطاه، متزينا بذكره، متعطرا بأُنسه، متلهفا لقاه.
 
لله در إمرأة في خيمة وحيدة، في كبد الصحراء، ترسم بكلماتها صورة هي أجمل من ريشة الفنان، أعذب من قصائد الشعراء، ألطف من لقاء قطرات الندى على وجنات الزهر والأقحوان في أجمل بستان، أم معبد تلتقط أنوار القمر المهاجر في صحراء شبه جزيرة العرب، ثم تنظمها كلمات تطرب لسماعها كل رجالات العرب، تهيم في أحرفها كل نساء العرب، يغنيها أطفال الكون عبر فضاءات الزمن، تسافر عبر المكان إلى أقصى الشرق ونحو الغرب، وعبر الزمن تحط في محطات القرون تلو القرون إلى آخر الزمن.
 
"ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثُجْلة، ولم تزر به صلعة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وَطَف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع، أحور، أكحل، أزج، أقرن، شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، وإن تكلم علاه البهاء، أجل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق، فضل، لا نزر، ولا هذر، كأن منطقه خرزات نُظمن يتحدرن، رِبعة، لا تقحمه عين من قصر، ولا تشنؤه من طول، غُصن بين غصنين، فهو أنظر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، وله رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفَنَّد".
 
صفات خَلقية وخُلقية لخير الأنام، وسيد الثقلين، والعرب والعجم، محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، جميل في وجهه، كيف لا؟ وقد أضاء الكون بهديه. متوسط بجسمه، كيف لا؟ وفي هدّيه الوسطية والعدل والرحمة. منطقه جميل، في صمته ابتسام، وفي حديثه احترام، وتاج ذلك كله قول الرب فيه: وإنك لعلى خلق عظيم. موقر من أصحابه، قدوتهم الحسنة، يبذلون في خدمته الغالي والنفيس
.
نبي الرحمة، والقائد القدوة، والإمام العادل، والفارس الشجاع، والرجل الصادق، والصاحب الأمين، والزوج المخلص، والأب الحاني، والقريب الواصل، الفقير الكريم، السيد المتواضع، الأول بعلمه وجاهه ونسبه وسلطانه، فلا عالم بعده، ولا جاه يدانيه، ولا نسب يجاريه، سلطانه قد مد جناحيه فوق الأفق غربا وشرقا.
 
فمن اقتفى أثره أفلح وفاز، ومن تنكب الطريق بعده خاب وخسر،  قد أحبه الجن والبشر، والحجر والشجر، وقبل ذلك أحبه الإله، فصلى عليه والملائكة من حول عرشه، وفي سماءه وأرضه: إن الله وملائكته يصلون على النبي.