عاجل

تحديد اجراءات وموعد عودة موظفي القطاع العام لعملهم.. تفاصيل

سيناريو عالم ما بعد كورونا

الكاتب : د. حسين البناء

لم يكن تفشي وباء COVID19 حدثا عابرا أو تقليديا البتة؛ فهو يعمل حاليا على إعادة تشكيل هذا العالم بالقدر ذاته الذي فعلته الأحداث الكبرى كتفكك الاتحاد السوفييتي و الحروب العالمية.

سيناريو العالم ما بعد الكورونا غاية في التعقيد، والصورة الكبرى قد تتشكل من ملامح جزئية في إطار الطروحات التالية:

١-كثيرون ممن يعتقدون بأن الغرب المادي كشف عن أنانيته بشكل فاضح عندما تخلى عن إيطاليا و إسبانيا كأعضاء في الاتحاد الأوروبي وتركهم منفردين يصارعون الوباء القاتل، ويعزز ذلك صعود الخطاب الشعبوي والقومي كردة كبرى عن قيم العالمية والعولمة، ويعزز مثل تلك الاحتمالات خروج بريطانيا المؤثر ككتلة رئيسية في القارة والثقافة الأوروبية. تفكك الاتحاد الأوروبي يجد مبررات كبرى هذه الأيام بعد فشله في العون و تحقيق مبدأ الدفاع المشترك.

٢-الفايروس يميل لاستهداف كبار السن وضعيفي المناعة و المعتلين صحيا بشكل قاتل، بينما تخف وطأته على الصغار و الأصحاء، أولائك المؤمنون بفكرة مناعة القطيع يبدو أنهم سيكونون في صف فرضية التخلص من وصمة "المجتمع الأوروبي الهرم" عبر التخلي عن كبار السن والمعتلين معا وتركهم يصارعون الموت نظرا لكلفتهم الاقتصادية الباهضة على فاتورة النظام الصحي.
هذا انهيار أخلاقي و انتكاسة كبرى للقيم الإنسانية التي لطالما تشدق بها الغرب الأنغلوسكسوني.

٣-يوما بعد يوم تتزايد فرص انهيار الاقتصاد الأمريكي على وقع عجز الموازنة العامة المزمن في حدود (تريليون واحد) و ارتفاع الدين العام البالغ (23.5 تريليون) والدين الخاص، والذي جعل القرار السياسي في واشنطن يخضع لضغوطات اقتصادية متعاظمة لضمان استمرار النمو الاقتصادي التقليدي. لن تستطيع الولايات المتحدة في الاستمرار بهذا المستوى من الإنفاق و الاقتراض على مستوى العالم، مما سينعكس على الأسواق المالية العالمية بالتراجع وعلى النمو الاقتصادي كذلك بالانكماش.

٤-ستكون دولا كالصين و كوبا أكثر قبولا على صعيد الغرب الرأسمالي والديمقراطي بعد موقفها الإنساني اللافت بتقديم العون الإنساني في الوقت الذي تخلت دول العالم الصديقة عن دورها الأخلاقي.
وقد تكون فكرة الديمقراطية الاشتراكية والمركزية أكثر رواجا من أفكار التحرر واللامركزية.

٥-في ظل تراجع الطلب السوقي على النفط، وفي ظل الخلافات الدولية للمنتجين، فمن المتوقع انهيار اقتصادات دول ذات تركز نفطي وخاصة تلك التي تشكل معظم إيراداتها حصرا من عوائد النفط.

٦-نهاية فكرة "الدولة الحارسة" ودعوة النيوليبرالية التي أثبتت عجز الشركات الخاصة عن تقديم شيء أمام تحمل كامل عبء الجائحة على الحكومات كمكون رئيسي للدولة الحديثة بعد فشل فكرة آليات التصحيح الذاتي التي لطالما تشدق بها دعاة السوق الحر، ويعزز ذلك فشل سابق عام 2008 بعد أزمة الرهن العقاري.

٧-توجهات الدول لبناء مبدأ الاكتفاء الذاتي بغض النظر عن مبدأ الميزة النسبية والمطلقة للإنتاج، فالحاجة قد لا يكون من الممكن إشباعها في ظروف متأزمة كهذا الوباء و غيره من كوارث عند انتظار الصادرات من بلاد تزداد بعدا.

٨-التوجه للاهتمام بالبحث العلمي بشكل مقدم على الإنفاق على التسلح والدمار والحروب، فجميع ترسانات الدول العظمى لم تنفع شيء أمام فيروس ضئيل ! و وقف الجميع متفرجا أمام أرتال الجنائز لضحايا الوباء.

في حقيقة الأمر، لقد شكل وباء كورونا اختبارا قاسيا للإنسانية وللعلم و للدولة الحديثة، نأمل جميعا، كشركاء في الكوكب أن تنتهي هذه الجائحة بأقل الخسائر و بأعلى مستويات التقارب والالتقاء الإنساني.