الإنسان في مِرْآة فيروس كورونا د. رشيد عبّاس



اليوم وقبل الغد, ينبغي ان نتوقف عند مِرْآة فيروس كورونا ونضع نقطة لنبدأ من اول السطر, هذا الفيروس البسيط في خَلقه, الكبير في حركته وافعاله, هذا الفيروس الذي شق الاجواء والحدود ودخل الى اعماق الإنسان, دخل الى الإنسان الكبير والصغير, الغني والفقير, ودخل الى الانسان الابيض والاسود, الموّحد وغير الموّحد, ودخل الى الانسان المتعلم وغير المتعلم, المثقف والامي, دخل الى الذكر والانثى, دخل الى (الإنسان) بكل مؤامراته, ..هذا الفيروس البسيط في تكوينه ارسل للإنسان على هذه الارض الواسعة هذه الايام عدة رسائل تدعونا الى ان نميّز بين الخير والشر, لنوقظ من خلالها جوانب الخير, ونطفئ جوانب الشر المغروسة فينا.
اليوم وقبل الغد, ينبغي ان نخلعَ عن الإنسان وعلى جناح السرعة ثوب العنصرية ونُلبسه ثوب الإنسانية, كيف لا وفيروس كورونا هاجم الإنسان اينما وجد بغض النظر عن لونه وعرقه وعن اصله وفصله, وان نسّخر جميع الديانات السماوية وكافة العلوم الارضية لخدمة هذا الإنسان الذي استسلم لفيروس كورونا ورفع الراية البيضاء, ذلك الفيروس الذي لا يُرى بالعين المجرة وانما يحتاج الى آلاف المرات من التكبير لصغر جسمه المتناهي كي نراه.


الإنسان بعد هذا الضعف امام فيروس كورونا, عليه ان يوجه صواريخه العابرة للقارات, وقنابله العنقودية, وطائراته المسيّرة الى تلك الامراض والاوبئة والجائحات التي عرفت طريقها اليه دون استئذان, بدلا ان يوجهها الى اخيه الإنسان في شتى البقاع والصقاع, فالأولى ان توجه تكنولوجيا الدول العظمى ومن لف لفهم الى رصد انشطة الامراض والاوبئة والجائحات التي تتوعد الانسان يوما بعد يوم لضعفه وقلة مناعته وانشغاله غير المبرر بأخيه الإنسان وتدميره وقتله وسفك دماءه.
الإنسان, وبعد حروب السيف والفرس, وبعد حروب البارود و(الفشك), وبعد فلق الذرة وتخصيب اليورانيوم وبعد..., بات ضعيفا منكسرا منحبس الانفاس حائرا امام فيروس بسيط يدعى كورونا! ويحق للبعض ان يتساءل هنا اين اوسمة قادة وألوية المعارك التي زينت صدور هؤلاء امام فيروس كورونا؟ واكثر من ذلك يحق للبعض ان يتساءل ايضا اين الذين منحوا جوائز نوبل في انتاج اللُقاحات والامصال, اين هم الآن امام فيروس كورونا الذي غزى العباد والبلاد دون ان يعلن ساعة الصفر او صافرات الانذار؟
الإنسان في جميع انحاء العالم اليوم وامام فيروس كورونا هو ذات الإنسان, والإنسان في جميع الديانات السماوية الثلاث امام فيروس كورونا هو ذات الإنسان, والإنسان في جميع الازمات والكوارث والمصائب والظروف الصعبة هو ذات الإنسان, يفرح ويغضب.., يبكي ويضحك.., يجوع ويشبع.., يعطش ويرتوي.., يذنب ويتوب.., يعصي ويستغفر.., يبوح ويسر.., يحب ويكره.., واخيرا الإنسان يحيى ويموت.
وفي هذا السياق, ينبغي ان تلتقي جهود الإنسانية طالما ان الإنسان على هذه الارض يلتقي مع اخيه الإنسان بالحياة والموت.., نعم امام هذا الفيروس البسيط الذي ارسل للإنسان على هذه الارض الواسعة هذه الايام رسائل عديدة علينا ان نمّيز من خلالها بين الخير والشر, وان نوقظ فينا جوانب الخير, وان نطفئ فينا جوانب الشر, وعلى البشرية جمعاء ان تتخذ شعارا جديدا عنوانه الإنسانية, فالإنسانية تدعوا الى ان الحياة حق لجميع لبشر, وان العيش الكريم فيها حق لجميع الناس, والإنسان مخلوق ضعيف يحتاج الى رحمة ربه, قال تعالى: (يريدُ اللهُ أن يخفّف عنكم وخلق الإنسانُ ضعيفا).
الإنسان ..في مِرْآة فيروس كورونا عليه ان يوجه صواريخه العابرة للقارات وقنابله العنقودية وطائراته المسيّرة الى تلك الامراض والاوبئة والجائحات التي عرفت طريقها الى الإنسان بدلا ان يوجهها الى البشر, عندها يستحق هذا الإنسان ارفع الاوسمة, واعلى الجوائز, وكل الشهادات الفخرية, ..نعم مِرْآة فيروس كورونا هي أداة قابلية على ان تعكس صورة الإنسان الأصلية قبل ملامسة سطحها.


بقي ان نقول: فيروس كورونا كشف ان الإنسان اضعف منه, مع ان الإنسان هو الذي انتجه وشروه بثمن بخس دراهم معدودة..