ما الحكمة؟


الكاتب : أماني الحمود
الأشخاص الذين ظننت أن الحياة ستنتهي بعد رحيلهم، رحلوا بالفعل والحياة لم تنتهِ، بل لم تبالِ من الأساس بالأمر؛ درجاتك السيئة في الاختبارات ربما غيرت جزءًا من مخططك المستقبلي، لكن ورغمًا عنك اضطررت لخلق مستقبل آخر تسعى إليه؛ الخوف من وقوع حدث ما لم يؤخره، على العكس لقد أضعت أنت وقتًا طويلًا في التفكير بلا جدوى؛ الخيانة التي كنت تظن أنها لا تراك قد أصابتك في أقرب أصدقائك  ومع ذلك اضطررت لاستكمال الحياة وأنت تعاني من مرارتها، هل فهمت الحكمة الآن؟ 
 
نحن مجبرون على تحمل كل هذا والمضي في الحياة رغم هشاشتنا وضعفنا، نحن مجبرون على التجاوز والتغافل والتناسي لتستمر الحياة لأننا لا نملك حق إيقافها، أو لأنها قاسية لن تنتظرك حتى تستيقظ او تتعافى من انتكاستك النفسية؛ البعض يطلق على هذه المرحلة نضج، والآخر يعتبرها لا مبالاة، لكنها وفي الحقيقة مسميات كاذبة نهوّن بها حقيقتنا، الأمر أشبه بسجين رسم على جدران زنزانته أشجارًا وطيورًا ثم حاول إقناع نفسه أنها حديقة، في النهاية ومهما تجمل وتزين الجدار يبقى سجن؛ كذلك نحن لا نملك رفاهية السقوط أو الاكتئاب، لذلك حتى الذين لا يعيرون اهتمامًا كبيرًا بالانتكاسات النفسية أو المسميات النفسية، ستجدهم يتجاوزون كل شيء بكل ببساطة وضعف، وإن سألتهم عن القوة التي تدفعهم لهذا التجاوز سيقولون بكل عفوية:
 
"ليست قوة؛ إنما هي الحياة، وما حيلتنا أمامها إلا التجاوز، لأننا لا نملك رفاهية الانهيار".رغم ذلك 
 
لم أبكِ منذ فترة طويلة، رغم قسوة الأحداث التي تدفع أي شخص للبكاء والانهيار، لم تسقط مني دمعة واحدة،استقبلت كل شيء في هدوء وصمت تام، واصلت حياتي دون أن اكترث للخراب الذي استولى على قلبي، تسقط الأقنعة من حولي فـلم أعد أستطيع الوثوق بأي شخص، فجأة شعرت بالشيخوخة، تجاعيد الحزن تلك التي زينت وجهي وشعيرات بيضاء بدأت في مداعبة رأسي الصغير المثقل بـلعنة التفكير، كلما أردت البكاء تسائلت عن سبب البكاء نفسه، لو بكيت مرة واحدة فلن أهدأ أبدًا، سأبكي على كل الأشياء التي لم أبكِ عليها، سأبكي على لحظات الفراق القديمة والتي تحدث، وقد أبكي على نهاية علاقات لم تنتهِ من الأساس، بكائي سيكون في غاية القسوة فلقد اكتشفت أن حياتي مرت في انتظار أشياء لن تأتي أبدًا، اكتشفت أيضًا أنني لم أحقق شيئًا يذكر، وأنني أصبحت مسؤول عن تصرفاتي بهذه الجدية، فالوقت الذي مازلت أتعامل مع الحياة بنظرة أقرب للطفولية، أنا ?شجرة سقطت أوراقها وتهالك أساسها لكنها مازالت شامخة واقفة أمام كل شيء يدفعها للانهيار، أنا أشبه بمنزل عتيق مهشم تمامًا وجدرانه متهالكة لكنه يأبى الانهيار بشموخ اعتاد عليه، لو بكيت ستكون هي النهاية لا محال، حزني أشبه بالعقد لو انفرطت منه حبة واحدة سينفرط تمامًا ولن ينقذه أحد، لم أبكِ منذ فترة طويلة لأنني أخبئ في صدري سنين من البكاء.