عاجل

طقس العرب: منخفض جوي جديد قادم

الأديب


الكاتب : د. ميسون حنا

 جلس الأديب المخضرم متأهبا لكتابة روايته الجديدة، تزدحم في أعماقه أفكار متشعبة، لكنها سرعان ما تخبو، بل تُوأد في حينها رغما عنه، تذكر أنه كتب أفضل رواياته عندما كان يمر بظروف متضعضعة في مستهل حياته، هو على يقين أن المعاناة تخلق الإبداع وتثريه، وتبرز معانيه، وهو الآن يعيش حياة رغيدة ، ينعم باستقرار أسري ورخاء مادي، هذا الاستقرار يجعله يشعر بالتبلد والركود، ولكن ألا يستحق هذا الرخاء أن يُكتب عنه، لو فعل هذا سيولد عمل مُترف، يفتقر إلى نبضات وأحاسيس ومشاعر الأغلبية الساحقة ، إذن عليه أن يجوب أروقة الأحزان في قلوب أناس يعيشون حوله ، عليه أن يخترق حاجزه البلوري الذي يتقوقع خلفه.

نهض بنشاط وارتدى ملابسه على عجل، وصمم أن يخرج، والأفضل أن يختار شارعا مهمشا ليتجول فيه وقف قرب الباب مترددا، وأفكار شتى تدور في رأسه، نظرت إليه زوجته وقطعت عليه تسلسل أفكاره، وسألته عما يبقيه واجما كل هذه المدة، أجابها قائلا: سأخرج، ولا أعرف وجهتي، على الأغلب سأهيم على وجهي في أحد الأحياء الفقيرة، نظرت إليه بعجب بينما خرج لتوه قبل أن يتيح لها فرصة استجوابه، أو الحوار معه، تركها مندهشة وغادر، لم يستقل سيارته بل توجه إلى الباص ليكون ملتحما مع الناس، جلس على مقعد منفرد في الباص الصغير، آثر أن يكون منفردا ليراقب ويشاهد، عله يستخلص فكرة ملهمة، تعيده إلى قوقعته، فيُخرج ما فاضت عليه العامة من عبر، ويصوغها وينسقها في عمل إبداعي مبهر. لمح سيدة تجلس في الحافلة، تفرس بها، تقاسيم وجهها تعكس حزنا لا يعرف منشأه ، تحمل طفلًا ملفعا، لعله مريض، فكر مع نفسه ، ربما تكون ذاهبة إلى المستشفى مثلا، وهناك رجل ينتعل نعلا بيتيا يكشف عن أصابع قدميه والبرد قارس، هو الفقر إذن … شعر بالبرودة تسري في أوصاله، أغمض عينيه متأملا، طال تأمله، فجأة نظر إليه السائق وقال: أنت أيها النائم، وصلنا إلى المحطة الأخيرة، والركاب جميعهم نزلوا إلا أنت، نظر إليه حائرا وقال: ربما سأعود على متنك من حيث أتيت، قال السائق: أظنك تائها، ربما أدلك على العنوان، أين وجهتك؟ قال بعد تردد: أقصد وجه الكريم عله يهديني إلى ضالتي. نظر إليه السائق بعجب بينما استرسل قائلا: لعلي تائه، في الحقيقة أنا تائه ولست بتائه، ضرب السائق كفا بكف واستدار عنه وباشر القيادة، فجأة قال له الكاتب: أرجوك ، لا تحمّل ركابا، وسأدفع لك أجرة حمولتك كاملة.
قال السائق مستغربا: ولماذا؟
ـ أريد أن أتحدث إليك.
قال السائق: يا لطيف، لعلك مجنون، قال هذا وأوقف الحافلة. وتوجه إليه قائلا: إنزل من فضلك، ولا أريد منك أجرة.
ـ بل أبقى. وأدفع، ومد نحوه ورقة الخمسين دينارا.
ـ قال السائق: آنا لا أفهمك ، أنت  تغريني إذ تمنحني هذا المبلغ، ولكن ما هي مصلحتك؟ أهو إحسان؟ أم لعلك مختل؟ لا تؤاخذني ولكن لا يفعل فعلتك إلا من فقد عقله، ونظر إليه متمعنا وقال: لا أظنك مختلا، ما هي حكايتك؟
ـ خذ، ودس الورقة النقدية في جيب السائق الذي قال: حسنا ، سأمنحك وقتا يساوي ما دفعته من مال. وجلس إلى مقعد مقابل الكاتب وقال: هات ما عندك، أخبرني قصتك.
قال الكاتب: بل أنا الذي أتوق لسماع قصتك.
ـ أنا واضح، غير مُلغز مثلك.
ـ تحدث عن نفسك.
ـ قلت لك أنا إنسان عادي، أتشابه مع الكثيرين، وأشار إلى الشارع، أما أنت فوراء ك حكاية ولغز.
قال الكاتب بإلحاح: دعك مني وتحدث عن نفسك.
ـ صدقني لا أجد شيئا يقال، نحن لا يشغلنا شيء سوى لقمة العيش، وأنا ألهث خلفها، ولا وقت عندي يتيح لي أن أصنع حكاية أقصها عليك للترفيه عنك … أنت مترف كما أرى، أنتم لا مؤاخذة ترفهون عن أنفسكم، تقيمون الاحتفالات، تسافرون، تشترون ما طاب لكم من متاع الدنيا، تحبون، ويغمض عينيه حالما ويقول: نعم تحبون وتعشقون.
ـ وأنت ألا تحب وتعشق؟
ـ لا وقت عندي للحب.
ـ ولكنك متزوج، ألست كذلك؟
ـ نعم وأحب زوجتي، بالفطرة أحبها لأنها أصبحت زوجتي، ولو تزوجت من غيرها كنت أحببتها كذلك، ولكني بعد أن تزوجتها لا أستبدلها بغيرها، هي بالنسبة لي الحب والواقع.
ـ أنت تحب واقعك إذن؟
ـ نعم أحبه، ولكني أبغض قسوته أحيانا، ولكن من يدري، هناك مثل يقول: (صاحب المال تعبان) والدليل أنت، لولا أنك متعب ما لجأت للتحايل علي لترفه عن نفسك.
ـ قال الكاتب ممازحا: ولماذا تظنني متعبا؟
ـر لعلك تخشى اللصوص والمافيات .
ـ ولكن يوجد لصوص صغار بينكم.
ـ أظن أن اللص هو اللص سواء أكان كبيرا أم صغيرا، ويقال أن مصطفى الذي قُبض عليه بعد أن سطى على أحد البنوك ونهب مبلغا كبيرا كان مشردا فقيرا، ولصا صغيرا، كبر وارتقى إلى رتبة لص كبير.
ـ يا عزيزي هناك لصوص كبار ، ولدوا كبارا، يتحكمون بمصائر الشعوب، ويحتكرون الاقتصاد المحلي والعالمي كذلك. مصطفى لص صغير يحجمه القانون والحوت الكبير محصن.
نظر السائق إليه متبلما ثم قال: أنا لا أفهمك.
ـ تبسم الكاتب وقال: لا عليك، أمسكت طرف الخيط.
ـ ماذا؟!
ـ نعم، القصص حولنا، موجودة في كل مكان. قال هذا وضحك.
ـ ما الذي يضحكك؟
ـ قلت لك أمسكت طرف الخيط، قال هذا وغادر أمام دهشة السائق الذي قال: مجنون، دفع أكثر مما وهبته من وقت.