أبو لهب يقوم من قبره ويشعل مواقع التواصل الاجتماعي


الكاتب : بكر السباتين
 هذا الموضوع وعلى بساطته إلا أنه يثبت بأن مشاغل الحياة قد تباغتها المياه العادمة فتغرق البسطاء دون ذنب اقترفوه لمجرد وجودهم في منطقة أحيطت بخطوط وهمية حمر.
 
 الأنساب حينما تشتعل في أرض يباس يهجرها أبناؤها إلى بساتين ليست لهم.. فقط! عليهم أن يزوروا أوراق الملكية فيحظون بالنسب الذي يتلاءم مع رغباتهم وعواطفهم! 
 
القصة التالية خير مثال على ذلك، ولها علاقة بالنسب حيث تدور دواماته في الرؤوس التي يسيطر عليها اللامعقول وتتحاذفها العاطفة الدينية أو العرقية أو الجاه من باب التنطع والرياء.
ويطرح السؤال المنطقي نفسه في عالم اللامعقول وقلب الحقائق:
ألا يتوه النسب المنقول بالتواتر عبر الذاكرة الجمعية حينما تصطدم بالمعوقات الدينية! فتتوه عند مفترق الشرف والعار.. السادة والعبيد.. المهن ما بين حداد ونجار أو المهن المتدنية؟ 
 
لقد خطر لي ذلك وأنا مندمج في قراءة تفاصيل خبر نشرته صحيفة "الإمارات اليوم" بعنوان نسب "أبو لهب" يثير جدلاً واسعا في صعيد مصر"
 
حيث تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر مقطع فيديو لأحد الأشخاص يرد فيه على شخص يفخر بكونه شيخ مشايخ قبيلة "أبو لهب"، الموجودة في قنا بمصر.
وأبو لهب هو عبد العزى بن عبد المطلب المعروف وهو عم النبي محمد الذي بالغ في إيذاء رسول الله، حتى استحق من الله نزول آية تعده بالعاقبة يوم القيامة. مات سنة 624م. وهو الأخ غير الشقيق لعبد الله بن عبد المطلب. عرف بكنية أبو عتبة نسبة لابنه الأكبر عتبة. ولكن الاسم المشهور له هو أبو لهب، لقبه إياه أبوه عبد المطلب لوسامته وإشراق وجهه.. خلافاً لطباعه السيئة إزاء ابن أخيه، صاحب الرسالة التي أضاءت بمصابيحها الدنيا وعمرت الأنفس بالإيمان.
 
وقد أثار ظهور أحد الأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، بفيديوهات عبر تقنية البث المباشر، كونه شيخ مشايخ قبيلة «أبو لهب»، الموجودة في قنا، قائلاً إن القبيلة تتعايش بشكل سلمي، ولهم طقوسهم الخاصة وعاداتهم، حالة من الجدل بين المصريين عن السبب في ذلك البث، وسط تشكيكات من قبيلة «اللهبة»، وصلتهم بـ«عُتبة»، ابن «أبي لهب».
 
فانبرى كبير قرية بشلاو للرد على الرجل الذي تفاخر بنسبه -رغم أن الأنساب ما بعد الجد السابع لا يمكن ضبطها كونها خاضعة للعواطف-  ويُدعى محمد عبد الحميد مطر، وهي نفس القرية التي ينتمي إليها الشخص الذي خرج ونصب نفسه «شيخ مشايخ قبيلة أبو لهب» في الصعيد، أو «اللهبة» الموجودين في «حجازة»، عبر بث مباشر أيضاً، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك».
 
فماذا قال «كبير بشلاو»، في بداية حديثه وكأن جهنم تطوقه فيما يحاول رمي النسب عنه حتى لا يتذوق لظى ألسنتها اللاسعة، وكأن الأنساب مدعاة للتنطع والرياء : « أبو لهب سيصلى ناراً ذات لهب، وإن الأستاذ أحمد البشلاو، الذي خرج في بث مباشر، أنه شيخ مشايخ قبيلة اللهبة، التي تنتمي إلى أبي لهب أو ابنه عتبة، لا ينتمي للقرية، أو صلة بقرية بشلاو، سوى أننا أخواله، ونشرف بذلك، وأنه ووالده من السرايرة في نقادة، ولا يمت حتى للقبيلة» حسب صحيفة الوطن المصرية".
 
ولكن ماذا لو أحضر الرجل أوراقاً تثبت نسبه إلى أبي لهب لغاية خبيثة في رأسه؟
 
والتزوير مسألة لا تحتاج إلا إلى جمعية وهمية تنشر اسمها عبر الفضاء الرقمي مثلما يعمل المثقفون الذين ادمنوا على فتح صفحات لروابط واتحادات للكتاب! وطبع الاختام والترويسات والألقاب الفخمة والنياشين الكذّابة منشورة على الشبكة العنكبوتية؟
 
وأصر السيد «مطر» على نفيه لهذه الفرية، مردفاً ببقظة وحزم: 
 
"نحن لسنا أحفاد أبي لهب، أنا معرفش جاب الكلام ده منين، نعرف أن هناك قبيلة اللهبة في حجازة، وناس آمنين ولا يعرفون أنهم ينتمون إلى أبي لهب أو نسل ابنه عُتبة».
 
أي أن عامة الناس تأخذهم الموجة العاطفية إلى الرفض أو القبول بحسب مكانة المنسوب إليه شخصاً كان أو مهنة!
 
وفي نهاية حديثه، قال كبير «بشلاو»: 
 
«خرجت اليوم لكي أرد على كل المغالطات التي ظهرت من الفيديوهات، وأترك لكم حق الرد، وشكراً».
والغريب أنه يبرئ نفسه من نسب لا يقدم ولا يؤخر.. فقد يكون نسبه يعود لرجل صالح عاش في حقبة زمنية مجهولة، دأب على إشعال الفوانيس للمارة في دروب القرية المعتمة فاستحق لقب "أبو لهب"، وربما كان صاحب مهنة صهر المعادن أو رجل أشعل غابة ما عن غير قصد! أو لقب به رجل كان متوقد الذهن أو صبوح الوجه كما فعل عبد المطلب في وصفه لابنه الضال عبد العزى الذي يريد بعد مماته إشعال الفتنة في الرؤوس التي تضج بها الهموم فبدلاً من لجوئه إلى النسب لرجل صالح ما أو مهنة فخمة يكون من شأنها بث الطاقة الإيجابية في القبيلة؛ يأتي من يرجم القبيلة بأفعال رجل وعده الله بالجحيم في آية "المسد".
 
على الأقل عاش ذلك الضال على غير نهج والده وإخوته في الحياة القبلية قبل نزول الرسالة على ابن أخيه، بانغماسه في الملذات ومناصبة العداء للنبي خلافاً لأبناء قبيلة "أبو لهب المصرية" المنشغلين عن الأنساب بهموم الحياة الصعبة طارقين بسواعدهم أبواب الرزق في "أم الدنيا" وقد عمر الإيمان قلوبهم الجميلة المضاءة بمصابيح الطيبة والرشاد.
النسب لا يقدم ولا يؤخر إلا إذا اعتمد كمفردة تاريخية لتثبيت الحقوق ودحض كل فرية لم ينزل بها الله من سلطان.