عاجل

إعادة هيكلة سياسية


الكاتب : صابر العبادي
قد يستصغر الكثير من العاملين للنهوض التغيرات الطفيفة التي تطرأ على المشهد السياسي، وتعاطي الشعب معها، فالتغير إذا ظل مستمراً وإن كان بوتيرة ضعيفة، فإنه حتماً سيحصل التغيير عند نقطة معينة، وهذه النقطة هي التي يتوقف النظام عندها ولا يستطيع التعاطي مع الواقع السياسي الذي سيُفرض عليه..
في الدول الديمقراطية الحقيقية تستجيب أولا بأول للتغيير المتولد عن وعي الشعب، فتتغير بتغير  وعي الشعب ومطالبته بحقوقه، فتحافظ على الكيان السياسي وإن كلفها ذلك التخلي عن كثير من الاستبداد ليستمر بقاؤها..
لكن عندما يفقد "النظام السياسي المشوه" ليونته ويصل الى التحجر والانكسار، ينتهي فجأة في لحظة غير متوقعة، بسبب عدم اقراره بالواقع وتعجرفه، واعتماده على أشخاص ينفذون دون فهم.
هذا النظام السياسي، عندما يكون وظيفياً، ينفذ املاءات خارجية، أو داخلية تسكن في برج عاجي، ولا تعرف ما يدور في الشارع، ثم يلجأ الى هيكلة سياسية، "غريبة عجيبة"، وهي مكشوفة للشارع بشكل فاضح، كالذي يخرج الى الشارع عرياناً مغمضاً عينيه حتى لا تراه الجماهير الحاشدة التي تحيط به، متجاهلاً أصواتهم التي تصم آذانه..!! 
عندما يكون النظام منسجماً من الداخل يستطيع ممارسة الديمقراطية، ويستطيع اعادة هيكلته، بانقسام أحزاب ونشوء أحزاب جديدة، من داخل النظام السياسي، فتتغلب على خلافاتها وتستمر المسيرة...
أما إذا كان النظام منفصماً ولا يقرّ بحقوق الشعب،.. المتنفذون فيه ليسوا حزبيين، أمضوا حياتهم في البرج العاجي ويمارسون السلطة بطريقة شاذة، والشعب غير متحزب لعدم وجود نظام ديمقراطي يدعم حريته واختياراته ويحافظ على حقوقه، وتحت هذه المظلة يقوم النظام بهيكلته الغريبة على الديمقراطية بأسلوب "بدائي" من أساليب الانظمة الشمولية القديمة، وهذه الهيكلة تتعدى على الشعب مرة أخرى بأن تأتي بالوزراء والأعيان والنواب الذين أمضوا حياتهم وهم جزء من النظام السياسي الذي يهمش الشعب، ويصادر حقوقه السياسة ومقدراته، وخاصة الحقوق المدنية والسياسية، ثم ينزلون عليهم من البرج العاجي، ينشئون الأحزاب، لتعود الحياة السياسية على أيديهم، ويعيدوا لهم حريتهم كما نزعوها منهم عندما كانوا حكاماً، ويدافعوا عن حقوقهم التي تغولوا عليها وهم في الحكم.
هل يستطيع الشارع الذي يواصل الطرق على الصندوق الذي يجلس فيه هؤلاء الغلاظ، ليخرجوا منه ويروا الدنيا الواسعة خارج صندوقهم ويقتنعوا أنهم مكشوفون، وأن غطاء عيونهم يخفي عنهم انكشافهم هم فقط، ولا يشعرون أن الدنيا كلها مفتحة أعينها وتراهم على حقيقتهم وخاصة الشعب...