ع?Zلم يبحث عن شهيد

mainThumb

21-09-2007 12:00 AM

يذهب انطوان غانم اليوم ملفوفاً بالعلم اللبناني. أكاد أكره هذا العلم. كأنه لا يرتوي. جائع وسريع الانقضاض. ينهب ذهب الوطن ويذهب به. رأيناه مرات في دورة القتل الاخيرة المفتوحة. سرق عمر رفيق الحريري من عمر الوطن معلنا إعادة افتتاح مصنع الشهداء. رأيناه رأيناه. علم لباسل فليحان لإخفاء الوطن الذي احترق مع جلده. علم لسمير قصير لحماية وهج عينيه. علم لعلم اسمه جورج حاوي. علم لجبران تويني لاحتضان القامة والقسم. وعلم لبيار امين الجميل العائد الى حديقة الشهداء. وعلم لوليد عيدو البيروتي من الوريد الى الوريد.

غريبة قصتك ايها العلم. نكاد نسيء الظن بك. يقولون انك تحولت سائقا على طريق المقابر. وانك توصلهم وتنساهم. وانك بعد التشييع تفتح اللوائح المخبأة في ذاكرتك. تستعرض اسماء المرشحين. تضع سطرا تحت اسماء الأوفر حظاً. تغسل ملابسك وتكويها استعدادا للموعد الجديد. وهو قد يكون غدا. أو بعد غد. أو بعده. لكنه آت وإن تأخر.
لعلك المواطن الوحيد الذي لا تنتابه هواجس البطالة ولا التقاعد. ذهب كثيرون وترشح رداءة الطقس كثيرين. الجمهورية معطلة ومشلولة. انت تحتفظ بكامل نشاطك ولياقتك. انت الساهر حين يستولي النعاس على الجمهورية. لن يستغني احد عن خدماتك. لن تضجر. ستستدعى قريبا لممارسة دورك البروتوكولي. وأعرف انك ستؤديه برزانة وأمانة. لكنني لا استطيع ان اضمن لك سلفا اسم الشهيد وعنوان القبر.

لا تفهم ايها العلم من كلامي انني اتهمك بالقتل. او المح الى اي دور لك. انا كالعماد ميشال عون احب ان يكون عقل المرء علميا ومنهجيا خصوصاً امام جنازات الشهداء. ومثله احب الهدوء في هذه المناسبات. ومثله اكره التسرع والتجني. وأعارض اطلاق الاتهامات. وافضل انتظار نتائج التحقيق. ورفع البصمات. والبحث عن الإيصال الذي تركه القاتل في مسرح الجريمة. وانا ايضاً أعارض استغلال الجريمة البشعة وتوظيفها سياسيا شرط ان لا تكون المسارعة الى التحذير من التوظيف نوعاً من المبادرة الى التوظيف.

اشرت الى العماد عون لأنني اعرف من انطوان غانم الذي كان جاري وصديقي أن علاقة ود وصداقة كانت تربطه بالجنرال. وأشرت الى الجنرال لأنني اكن له وداً. وقد رافقت كصحافي دوي مروره في قصر بعبدا واثمان هذا الدوي وارافق اليوم دوي معاركه لاستعادة القصر. ولا بد لي من الاعتراف بأنني كصحافي احب الذين يحبون السلطة خصوصاً اذا كانوا لا يزالون يخفون جنرالا في سلوكهم على رغم تقاعدهم. فهذا النوع من الحروب مادة مثيرة وممتازة للصحف والصحافيين. لكنني هذه المرة أخشى ان يكون عون خاسراً كبيراً وان يبدد في مجازفته الحالية رصيدا كبيرا يستحق الاعجاب والاحترام.

لا غرابة ان يتطلع عون الى رئاسة الجمهورية. شعبيته في طائفته هي الاعلى. وكتلته النيابية كبيرة. واعتقد انه كان يمكن ان يكون اليوم المخرج او الملاذ لو لم يرتكب اخطاء فادحة في الفترة الماضية. انا من الذين يعتقدون ان العلاقة التي بلورها التيار العوني مع «حزب الله» كانت مفيدة وجنبت البلد مخاطر ليست بسيطة. وخالجني يومها اعتقاد بأن الجنرال سينطلق من هذه العلاقة لشن هجوم تفاهم مع «تيار المستقبل» بزعامة سعد الحريري والحزب الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط. وعلى رغم معرفتي بأخطاء ارتكبت بحقه غداة عودته اعتبرت انه سيقدم من التضحيات ما يكفي ليكون نقطة لقاء بين القوى السياسية اللبنانية.

افهم ان تراود العماد عون رغبة في الثأر من قادة 14 آذار لأنهم رفضوا اعطاءه موقع القيادة غداة عودته من المنفى. وافهم ان من حقه السباحة الى الضفة الاخرى. وان هناك في 14 آذار من كان يرغب في رؤيته في الضفة الاخرى. ما لا افهمه هو وقوعه في هذه اللعبة. لقد انخرط في معارك ليست لرجل بحجمه. واطلق حملات غير مقنعة خصوصاً في توقيتها حتى وإن كان في مضمونها بعض الصحة. واستخدم الفاظا لا تليق برصيده الواسع. وخيبني حين رد على أخطاء الرئيس المجروح امين الجميل بحقه بانتزاع مقعد نجله الشهيد بدلا من أن يتصرف برحابة تكرسه مرجعية في طائفته وعلى الصعيد الوطني.

لقد خسرت يا جنرال معركة ان تكون الرئيس الوفاقي الذي يسارع الجميع اليه. لكنك لم تخسر فرصة ان تساهم في الحل. لا أريد ان اصدق القائلين بأنك تفضل القصر فارغا ان لم تشغله أنت. وانك تستعذب الفراغ على رغم مخاطره لتتلذذ بحرمان 14 آذار من المجيء برئيس من صفوفها. لا اصدق ان هذا موقفك. لا يحق لك اتخاذه اصلا لأنه يمثل تلاعبا بمضمون التفويض الشعبي لتيارك. لا تصدق بعض المختبئين تحت عباءتك يلمعون صورهم برصيدك ويهدرون بعضه بمداخلاتهم السمجة على الشاشات. سينفضون عنك يوم تخسر وسينسون طريق الرابية. اليوم وبعد تشييع انطوان غانم خذ قرارك. لا تزال لاعباً مهماً. احمل اسما مقنعا ومعتدلا واذهب به الى بكركي والضاحية وعين التينة وقريطم والمختارة وبكفيا ومعراب. اذهب ايها الجنرال وحاول لأن تبعات الفراغ ستكون كبيرة على البلد وعلى رصيدك فيه. اعرف ان الصورة الاقليمية والدولية قاتمة لكن عليك ان تحاول. ان نجحت سينام صديقك انطوان غانم مطمئنا الى ان العلم الذي رافقه الى تراب وطنه لن ينهمك بدءاً من اليوم بالبحث عن شهيد جديد