الهارب من الموت .. الجزء الثاني

الهارب من الموت  ..  الجزء الثاني

13-01-2026 07:37 PM

مزرعة الحرية .. مجموعة إنسان .. الفصل السادس

جاء الصباح حاملًا معه تباشير السعادة، وكعادتي أصحو باكرًا. وبعد أداء الصلاة والواجبات المعلومة لدى كل مسلم، لا بد أن يكون للرياضة نصيب في جدولي الصباحي، ولو لمسافة بسيطة.
ومن بعيد رأيته… الصعيدي، هكذا يحب أن يُنادى. كان جالسًا يتناول إفطاره، فأجلت القيام برياضتي، فهناك مهمة لا تحتمل التأجيل. توجهت إليه، فوجدته جالسًا وحده يشرب الشاي الصعيدي الثقيل، ويتأمل المزروعات بسعادة واضحة. بدا في مزاج عالٍ ذلك اليوم، وتوقعت أن أحظى بمقابلة ممتعة.
كانت ملابسه جميلة؛ الجلباب الصعيدي ذو الأكمام الواسعة بلونه الأزرق الفاتح، وتحت الجلباب الصدرية، وعلى رأسه العمّة، يلوّح بالنبوت الصعيدي يمينًا ويسارًا، ويدندن بأغنية للفنان الصعيدي الشهير قناوي مثقال، وكأنه أحد فتوات الصعايدة يستعد لمواجهة خصمه في رقصة النبوت الشهيرة، فتذكرت الفنان نور الشريف في أحد أفلامه المعروفة عن الصعيد.
وعندما رآني قادمًا، وقف مرحبًا بي.
في تلك اللحظة شعرت بأنه يريد أن يبوح بما يؤلمه، فأحضرت كرسيًا وجلست بجواره. وقبل أن أسأله، قال:
يا باشا… إحنا اتولدنا وإيدينا شايلة كفنها.
لم أقاطعه، تركته يسترسل في الكلام، واكتفيت بتحريك رأسي دلالة الموافقة. وأضاف بحزن:
بيننا وبين أولاد عمومتنا من عيلة فرحات ثأر قديم، اتقتل فيه ناس مننا ومنهم كتير. ودارت الدايرة وجت عند أخويا هنداوي، قتل واحد منهم. أخويا عيل ومخه خفيف، ودخل السجن. وكان لازم ياخدوا بثأرهم، وكنت أنا الضحية.
حاولت أراضيهم، ما قدرتش. وكان لازم أختار: يا أموت، يا أهرب. وربنا يتولى مراتي وولدي برحمته. وما كانش فيه حل غير إني أهرب برّه مصر، وجيت عُمان. لكن سمعت إن واحد من ولاد فرحات عرف مكاني وجِه ورايا… عشان كده بقولك: أنا شايل كفني بإيدي.
لم أتفوه بكلمة. صدمتني كلماته. نحن في القرن الحادي والعشرين، ولا يزال هناك من يتعامل مع مشاكله بالقتل والإرهاب. ماذا يمكن أن يُقال لرجل ينتظر الموت في أية لحظة؟
ربتُّ على كتفه، ثم انصرفت لأكمل رياضتي الصباحية.
وفي الساعة السابعة إلا ربع مساءً، وجدته يحتضن نخلة البونارنجه وقد فارق الحياة. كان قد علم بوفاة ابنه الوحيد؛ الطفل الذي كان يعدّه لمستقبل مزهر. كان قد أعدّ العدة للتصالح مع أبناء عمومته، وكان يحلم أن يكون ابنه مزارعًا ماهرًا، يأكل مما تزرع يداه دون حاجة لأحد.
لم يبكِ…
ذهب إلى نخلة البونارنجه، احتضنها ومات.
تلك النخلة التي زرعها بيديه، واعتنى بها حتى كبرت.
يتبع…
الهوامش:
النبوت: عصا تشبه قصب السكر إلى حد كبير.
العمّة: غطاء رأس تقليدي في صعيد مصر.
رقصة النبوت: رقصة صعيدية شعبية تشبه الرزحة، لكنها تُؤدّى بالعصا بدل السيف


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد