من لم يبتلعه البحر تبتلعه زنزانات الأنظمة

mainThumb

29-09-2022 08:01 AM

يبدو أن مسلسل النكبات اللبناني لن يتوقف قريباً. لقد فجعنا في الأيام الماضية بغرق قارب يحمل على متنه عشرات الشبان اليائسين الفارين من بؤس الأوضاع الاقتصادية والسياسية، بعد أن ضاقت بهم سبل الحياة في بلدانهم التعيسة. هذه الفجيعة تحصل للمرة الثانية خلال 4 أشهر انطلاقاً من طرابلس عاصمة الشمال اللبناني. يقول الخبر، الذي مر اعتيادياً على نشرات الأخبار الدولية – ربما بحكم المألوف – إن مهاجرين «غير شرعيين» لقوا حتفهم قبالة شواطئ محافظة طرطوس السورية». وقد «أودى الحادث بحياة معظم من كانوا على متن الزورق الذين تجاوزت أعدادهم 150 شخصاً. وهم من جنسيات لبنانية وسورية وفلسطينية، كانت وجهتهم دولة أوروبية. هكذا ببساطة يمر الخبر وكأن الضحايا مجرد أرقام، ومن دون الإشارة إلى قصص تقف خلف السيناريو هات، التي دفعت بهم لركوب البحر، بحثاً عن حياة فيها الحد الأدنى لشروط النجاة والكرامة الإنسانية.
خلال البحث في المواقع الإخبارية، استوقفني تقرير لـ»ي بي سي» عربية مفاده أن لبنان يشهد ارتفاعاً كبيراً في معدلات الهجرة مدفوعاً بانهيار اقتصادي مدمّر. وقد ترك ذلك الانهيار قطاعات كبيرة من اللبنانيين، يعانون الفقر على مدى السنوات الثلاث الماضية. ويشير التقرير إلى إحصاءات، تفيد أن أعداد الذين يحاولون مغادرة لبنان عبر البحر، في عام 2021 زادت بمعدل الضعف، عما كانت عليه خلال العام 2020، وفق تقديرات وكالة الأمم المتحدة للاجئين. في حين ارتفع العدد مجدداً بنسبة 70 في المئة خلال العام 2022.
بالطبع، تفاعل كثيرون مع هذه الحادثة المؤلمة، التي هزت الرأي العام وتركت حالة من الأسى والحزن على مواقع التواصل الاجتماعي والمنظمات الإنسانية الدولية، نظرا لأن حصيلة الضحايا كانت هي الأعلى منذ بدء ظاهرة الهجرة غير الشرعية انطلاقاً من لبنان. فقد أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن عشرة أطفال لقوا مصرعهم في الحادثة. واعتبرت في بيان لها أنه «كما هو الحال في العديد من بلدان المنطقة، يعيش الناس في لبنان ظروفا قاسية تؤثر على الجميع، ولكنها أكثر قسوة خصوصاً على الأشخاص الأضعف».
وفي بيان لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين ومنظمة الهجرة الدولية، «الكثيرون يُدفع بهم نحو حافة الهاوية».
كما اعتبر المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني أن «لا أحد يصعد على مراكب الموت بسهولة. يتخذ الأشخاص هذه القرارات الخطيرة، ويعرضون حياتهم إلى الموت بحثاً عن العيش في كرامة». مضيفا «علينا أن نفعل المزيد لمعالجة الشعور باليأس في المنطقة».
بالطبع المأساة مستمرة، وكما يقول الصحافي والكاتب اللبناني حازم الأمين فإن «المأساة مرشحة لتكبر طالما طاقة طرد الفقراء من البلد عم تكبر».
على الضفة المقابلة، التي لجأ إليها بعض الناجين من الغرق، ويكتمل المشهد التراجيدي هناك، حيث كانت أجهزة الأمن السورية بانتظار من لم يبتلعه البحر لتكون السباقة إلى ابتلاعهم في زنازينها المريعة. وقد أفادت مصادر حقوقية باعتقال بعض الناجين من غرق الزورق. وفي تقرير نشرته «القدس العربي» لمجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا» أن الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الأسد اعتقلت عدداً من الشبان السوريين والفلسطينيين الناجين من حادثة غرق المركب، قبالة سواحل محافظة طرطوس. وأكدت أن أجهزة النظام الأمنية اعتقلت الشبان بحجة أنهم «مطلوبون أمنياً وللخدمة الإلزامية». في حين لم يتسن للمجموعة التأكد من أسماء وهوية المعتقلين. كذلك نشرت شبكة «شاهد عيان حلب» المعنية بنقل أخبار اللاجئين السوريين منشوراً على صفحتها في فيسبوك، تحدثت فيه عن معلومات مؤكدة من داخل «مشفى الباسل» في طرطوس تفيد أن أجهزة النظام الأمنية اعتقلت ناجين من حادثة غرق القارب في طرطوس بعضهم من الجنسية الفلسطينية. أي نعم، السوريون والفلسطينيون يمنع عليهم الفرار من سوريا، لأن «واجبهم الوطني» أن يكونوا دروعا وأدوات في حرب النظام السوري ضد «المؤامرة» المستمرة منذ عام 2011!
لم تحرك هذه الكارثة الإنسانية السلطات اللبنانية أو السورية أو الفلسطينية، لإعلان الحداد الرسمي- ولو رمزياً- فالضحايا لا يستحقون أن تنكس الإعلام لأجلهم، ولا ضرورة حتى لأن يكونوا الحدث الأول في النشرات الرسمية لإعلام هذه الحكومات.
المشهد عادي جداً، وربما «متوقع» والضحايا مجرد أرقام عابرة في ظل تلك السلطات الفاسدة والفاشلة. ماذا يعني أن يشيع حي الصليبة في مدينة اللاذقية 20 من أبنائه؟ ما أهمية أن يشيع مخيم نهر البارد 25 من نسائه ورجاله وأطفاله؟ أما طرابلس وعكار فهي منسية على الدوام إلا في المواسم الانتخابية.
لقد قالها محمود درويش ذات يوم: لا أعلم من باع الوطن، لكن رأيت من دفع الثمن.
السلام والرحمة لأرواح ضحايا الزورق الذين دفعوا الثمن. أما الذين باعوا الوطن فلا حول لنا ولا حيلة لمواجهتهم إلا بمراكمة الوعي بالعدالة الآتية لا محالة.

كأن مأساة فلسطين أصبحت خبرا عابرا!

من لبنان، البلد المثقل بالإحباط والفساد إلى فلسطين المحتلة، حيث اقتحم الثلاثاء أكثر من مئتي مستوطن باحات المسجد الأقصى. وغنّوا ورقصوا هناك في اليوم الثاني من احتفالات رأس السنة العبريّة. وكل ذلك تحت حماية قوّات الاحتلال، التي اعتدت على المرابطين في المسجد ومنعت الفلسطينيّين دون سنّ الأربعين عاماً من الدخول إليه. وقد نشر موقع «ميغافون» اللبناني فيديو يظهر تعرض المرابط الشيخ أبو بكر الشيمي (65 عامًا)، لاعتداء من قبل قوات الأمن الاسرائيلية على إحدى بوابات المسجد الأقصى، الذي شهد اقتحامات من قبل المستوطنين والاعتداء على المحتجين. فمع هذه الاقتحامات انهالت الشرطة الإسرائيلية عليه بالضرب المبرح وطرحته أرضًا. وفيما كانت الدماء تسيل منه يصر الشيخ الذي يعد من أقدم المرابطين على أنه صامد فداء للأقصى.
والشيخ أبو بكر معروف جيداً عند قوات الشرطة الإسرائيلية، نظرًا لرباطه الدائم في المسجد الأقصى منذ سنين طويلة، لأنه يواظب على زيارة الأقصى بشكل يومي، منذ انتقاله الى مدينة القدس في بداية الألفية الحالية.
وتقوم سياسة الاحتلالات الإسرائيلية على تسهيل اقتحامات المستوطنين المتطرفين للمسجد الأقصى خلال المناسبات الدينيّة لتكريس التغيير التدريجيّ في هوية الأقصى ولجعله مكاناً روحيا لليهود.
وفي جولة على الفضائيات الدولية «المهنية» سي أن أن، وبي بي سي، وسكاي نيوز، وفوكس نيوز،
نكاد لا نرى أي أثر لخبر الاقتحام والرقص في الأماكن المقدسة وإهانة الشيخ المسن أبوبكر.
أما الفضائيات العربية، التي لا هم لها سوى تلميع التطبيع والأنظمة الرسمية، فقد تناولت الخبر بشكل خجول، ما يوحي أن فلسطين كقضية لم تعد تحظى بذلك الحضور في الإعلام العربي على اختلاف توجهاته، حتى في تلك القنوات المحسوبة على تيار «الممانعة العربية»، والتي لطالما صدعت رؤوسنا بشعاراتها الثورجية.
العزاء دائماً أن هناك شعبا يقاوم المستحيل ويفضح البشاعة بعيداً عن الأجندات الإعلامية لهذا البلد أو ذاك. هنا فلسطين.