الرياضة تنتصر دائماً

mainThumb

06-12-2022 02:09 PM

ربما يتطلب الفصل بين الرياضة والسياسة جهداً كالذي يستلزمه البحث الدؤوب عن السلام رغم الصوت المدوّي للحروب. كثيرون يعتقدون أن ذلك الفصل غير ممكن في المطلق، إذ أن كرة القدم تنزلق في كثير من البلدان إلى تعصّبات داخلية ناجمة عن انقسامات مجتمعية، فكيف إذا كانت المنافسات بين بلدان خاضت عداوات أو كانت بينها صراعات تاريخية ما تزال رواسبها تُتوارَث عبر الأجيال.

ومع أن الرياضة تفرض روحها، فيُجرى مونديال كرة القدم أو الدورات الأولمبية عموماً من دون حوادث تُذكر، فإنها لا تستطيع منع تحرّك الهويات في دواخل الجمهور الذي يتابع الألعاب بمناظير مختلفة وتوقّعات وتمنّيات ذاتية. فاحترام الرياضة في حدّ ذاتها لم يتمكن من كظم مشاعر الحماس والتشجيع للفرق العربية الأربع، السعودية والمغرب وقطر وتونس، في مبارياتها مع فِرق أجنبية يتربع بعضٌ منها على عرش الكرة منذ عقود طويلة.

وإذ قيل إن الكرة أعادت «توحيد العرب»، في إشارة إلى تفرّقهم، فالأحرى القول إنها أظهرتهم على طبيعتهم وفطرتهم.. بعيداً عن السياسة. للإعلام والإعلاميين المتخصصين مساهمة مهمة في التخفيف من تداخل الرياضة والسياسة واحتكاكهما. فعلى سبيل المثال، لا بدّ من إيجاد مصطلحات أو لغة أخرى غير أن «دولة كذا» هزمت أو قهرت أو صعقت أو أذلّت «دولة كذا».

هذه تعبيرات صادمة ومستفزّة، بل إنها هي نفسها المستخدمة في الوقائع الحربية. قد يكون الإعلام محكوماً بالإثارة، كما أن الإعلامي يحاول نقل حرارة الملعب والجمهور بكلمات تلقائية مرسلة، لكن هذا لا يمنع وجودَ ابتكارات ممكنة ومفيدة، بالتركيز أكثر على النواحي الفنية والتقنية أو على عناصر التفوّق لدى هذا اللاعب أو ذاك. صحيح أن بعضاً من ذلك يحصل في تحليل المباريات غير أنه ليس كافياً دائماً لإثبات لأن الرياضة هي الرياضة وأن السياسة هي السياسة. لذلك يمكن تصوّر أن تغيير اللغة واللهجة أساسيٌ لبلورة ثقافة رياضية، تماماً مثلما أن تغيير لغة السياسة ونبرتها يمكن أن يقود إلى ثقافة السلام، خصوصاً أن بين الرياضة والسلام تلاقياً طبيعياً وعفوياً ينبغي تطويره.

منذ بدأ بث المباريات مباشرة في مونديال بريطانيا عام 1966، ثم تطويره في مونديال المكسيك، راحت الكرة الساحرة تتعولم وتتوسّع في اجتذاب الجمهور حتى أصبحت هناك «أحزاب» في كل مكان للنوادي العريقة والكبيرة، كذلك للدول، فمن يشجّع كرة البرازيل أو ألمانيا ولاعبيهما، مثلاً، لا يعترف لدول أخرى إن هي طوّرت لعبها وتفوّقت. لكن التشجيع الأكبر يبقى للنوادي المحليّة والمنتخبات الوطنية ونجومها، فإذا تواجهت مع أي فريق يكون فوزها «نصراً» محلياً أو وطنياً، وفي حال البلدان المأزومة يغدو النصر حاجةً لـ«التعويض» عما ترتكبه السياسة أو عما لا تستطيع تحقيقه.

وهذا يحمّل الكرةَ ما لا شأن لها به ولا تحتمله. لم يكن ممكناً إقصاء السياسة عن مباراة فرنسا وإيطاليا (الموسولونية) عام 1938 مع تصاعد التوترات عشية الحرب العالمية الثانية، أو عن المواجهة بين الألمانيتَين الغربية والشرقية (1974) في ذروة الحرب الباردة، ولا عن مباراة إنكلترا والأرجنتين (1986) بعد أربعة أعوام على حرب الفوكلاند.. غير أن الرياضةَ فرضت نفسَها.

وهذا ما ينبغي البناءُ عليه. ثمةَ ظاهرةٌ تبدو جديدةً مع الدخول الأفريقي المميّز إلى المونديالات الأخيرة في مقابل لاعبين أوروبيين من أصول أفريقية معرّضين لتسجيل أهداف ضد بلدانهم الأصلية، كما حصل للسويسري بريل ايمبولو الذي تسبّب بخسارة فريق الكاميرون ولم يحتفل، لكنه استجرّ ردود فعل ضد عائلته في الكاميرون.