روسيا تجرّب «بدائل» مؤسسات الدولة

روسيا تجرّب «بدائل» مؤسسات الدولة

25-06-2023 08:33 AM

هل علينا أن نفاجأ حقاً بما تشهده روسيا في هذه الساعات؟

لا أعتقد ذلك!

منذ أيام دراستي العلوم السياسية في الجامعة - وربما قبلها - لم أقتنع بالتصوّر الأميركي التبسيطي للديمقراطية. ولم أتفهم وجود تعريف محدّد أو صيغة ثابتة أو وصفة سحرية أو تقبّل فطري لهذا «النظام» السياسي الذي توهّم «آباء أميركا المؤسسون» أنه «منقذ من الضلال» وترياق يشفي من العلل، في كل زمان ومكان وعند كل شعب!

وواقع الحال، أن الشعوب والحضارات طوّرت عبر التاريخ عشرات الصيَغ والآليات لبناء المواقف وتبادل المشورة... أو حتى ضبط حدود الإمرة. وبين «جلسات الشيوخ» عند قبائل الأميركيين الأصليين ومجالس «الشورى» في الكثير من الحضارات المشرقية، بما فيها «اللويا جيرغا» القبلية الأفغانية... ومن «الماغنا كارتا» في الجزر البريطانية إلى نمط الاختيار عبر الانتخاب كما تطوّر فيما بات يعرف بـ«الديمقراطيات الحديثة» - على تنوعها واختلافها - لم يوجد حقاً نموذج واحد يتقبّله الناس بصورة تلقائية، ويصلح للتعميم وكأنه دستور للسلوك البشري الجماعي.

روسيا، مثلاً، وصف جوانب من حياتها أحمد بن فضلان في رحلته الشهيرة خلال القرن العاشر الميلادي. ويومها وصف حالها المتخلف جداً - بل القريب من الهمجية - قياساً بحال دولة خلفاء بني العباس في عهد الخليفة المقتدر بالله.

وفيما بعد، أسّس إيفان «الرهيب» (1530 - 1584 م) «حكم القياصرة» الذي مرّ بحقبتي انفتاح وحضارة مهمتين في عهدي «الإمبراطورين» بطرس الأكبر وكاترين الثانية، واستمر حتى اندلاع «الثورة البلشفية» عام 1917.

«حكم القياصرة/الأباطرة» شهد صعوداً وتمدّداً كبيراً للدولة الروسية، ونمواً لثرائها وتطوراً لافتاً لحياتها الثقافية في العمارة والعلوم والموسيقى والرواية. إلا أنه، مع ذلك، لم يعرف تطوّراً موازياً في نظام حكمها أو فكرها السياسي خارج حسابات القوة والفرض والتوسع والاحتلال. فـ«الكرملين»، باختصار، لم يتقن لعبة الديمقراطية...

وعلى أنقاضه جاءت الحقبة البلشفية السوفياتية.

هذه الحقبة أعطت طعماً مختلفاً للهيمنة السياسية على مئات الشعوب والقوميات والألسن والأديان التي تعايشت فوق أرض شاسعة تربو مساحتها على 22 مليون كلم مربع بين ساحل المحيط الهادئ شرقاً وبحر البلطيق غرباً. ولكن بخلاف الهيمنة الروسية، تحت شرعية مسيحية أرثوذكسية، وتحالفات وصراعات النبلاء المحللين، أرسى البلاشفة الشيوعيون دعائم نظام سياسي بديل كان – ظاهرياً على الأقل – «شوروياً» (وهذا معنى السوفياتات أو المجالس التمثيلية) وعلمانياً ولا قومياً. وحقاً، ظهرت ملامح هذا التنوّع في تركيبة «القيادة البلشفية الأولى»، التي ضمت مسيحيين ويهوداً، كما ضمت الروس وغير الروس مثل الجورجي جوزيف دجوغاشفيلي «ستالين» والأرمني أنستاس ميكويان. ثم في العقود اللاحقة من عُمر الدولة، دخل القيادة مسلمون مثل الكازاخي دين محمد قوناييف والآذري حيدر علييف.

نعم، الدولة السوفياتية رسمت «خريطة» إثنية تدرّجية للبلاد اعترفت فيها بالسواد الأعظم من مكوّناتها العرقية والثقافية، بدءاً من الكيانات الأعلى أي «الجمهوريات السوفياتية الـ15»، ونزولاً إلى «الجمهوريات الذاتية الحكم»، وتحتها «الدوائر والمحافظات القومية/الإثنية». ويومها لم يكن بين الجمهوريات السوفياتية الـ15 إلا 3 جمهوريات سلافية (روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا)، غير أن مجموع السلاف من عموم سكان البلاد بلغ نحو 70 في المائة معظمهم في جمهورية روسيا الاتحادية، تليهم الشعوب التركية وسوادها الأعظم من المسلمين.

لكن هذا التنظيم الجيد، والمُنصف نظرياً، واجه مشاكل مختلفة من حيث التطبيق. وكانت من أبرز تلك المشاكل على الصعيد السياسي ضعف آليات التشاور والتفاهم، وانعدام القدرة على تنظيم الاختلاف، والغياب الواقعي لتداول السلطة خارج نطاق الإقصاء... وأحياناً التخوين.

أما على الصعيد الاقتصادي، فكانت المشكلة الأخطر «الدوغماتية» الآيديولوجية... لا سيما إزاء التأميم، والتضييق على الملكية الخاصة، ومركزية القرار، وسوء تطبيق التنمية الاقتصادية المتوازنة، والتفاوت في الثروات ومستويات التنمية بين الجمهوريات وما له من تداعيات اجتماعية. وطبعاً، يضاف إلى هذا كله الحرب الاقتصادية الدائمة مع العالم الغربي التي أربكت الدولة السوفياتية وعجلت بانهيارها.

ما ينبغي العودة إليه، وسط الأزمة الحالية، أن القوة العسكرية الخالصة ما كانت يوماً تعوز روسيا (أو الاتحاد السوفياتي). وأيضاً لم تفتقر روسيا يوماً إلى الثروات الطبيعية مع أنها قلما أحسنت استغلالها واستثمارها.

كان «مقتل» روسيا عبر مفاصل عدة من تاريخها، أولاً في عجزها عن «أنسنة» تعاملها مع شعوبها داخل أراضيها الشاسعة، وثانياً في فشلها في إيجاد نظام سياسي مرن وواقعي يشتمل على آليات تصحيح الخطأ وإعادة رسم المسار... بدلاً من الذهاب العنيد بعيداً في نهج القمع بحجة «تآمر» الآخرين و«حصارهم» المتكرر.

ذهنية «الحصار»، بالذات، أضاعت على موسكو الكثير من الفرص، سواءً إبان الحقبة السوفياتية أو بعدها. ومن مستنقع أفغانستان إلى وحول أوكرانيا، مروراً بعداوات العالم العربي، ما كانت موسكو مضطرة لحسم كل منافسة مع الغرب بـ«القوة الخشنة»، حيث توافرت فرص لـ«القوة الناعمة».

وفي نهاية المطاف، ليس غريباً أن تتحدّى ميليشيا من المرتزقة صنعها «الكرملين» لخوض حروبه بالوكالة... إلى نسخة روسية لـ«حرس إيران الثوري».

وعندما تسكت موسكو على استقواء أصدقائها بميليشيات طائفية وبلطجية، لا يعود مستغرباً أن تمتد العدوى من الخارج إلى داخلها. وبالتالي، ليس غريباً أن تتحدى ميليشيا «فاغنر» مؤسسات دولة نسيت كيف تتصرف كدولة.

إن مَن يزرع العنف يحصد العنف، ومَن يستسيغ القمع يستدعي الدم، ومَن يلغي المؤسسات تلغيه «بدائل» المؤسسات


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الهند: السماح لسفن إيرانية بالرسو هو القرار الصائب

المنتخب الوطني يواصل تحضيراته لبطولة غرب آسيا للشباب

تركيا: الصدمات بأسواق الطاقة لن تكون دائمة

الأردن ومصر يؤكدان خطورة توسيع دائرة الصراع في المنطقة

الأردن والكويت يؤكدان ضرورة تكثيف الجهود الدبلوماسية لاحتواء التصعيد

النفط يرتفع بأكثر من 25٪ ويتجه لتحقيق قفزة يومية قياسية

مصفاة بابكو إنرجيز البحرينية تعلن حالة القوة القاهرة

اليابان تدرس اتخاذ خطوات لتخفيف آثار حرب إيران على الاقتصاد

اكتمال عودة بعثة الحسين إربد إلى أرض الوطن

السعودية: نحتفظ بحقنا في اتخاذ الإجراءات التي تكفل حماية أمننا

مبعوث الصين للشرق الأوسط يدعو لخفض التصعيد في المنطقة

النقد الدولي ينصح الدول بالحفاظ على حيز مالي يمكن استخدامه أوقات الصدمات

ماليزيا: نستطيع الحفاظ على سعر الوقود المدعوم لمدة شهرين على الأقل

هيئة الاتصالات: نتابع التزام المشغلين بنشر خدمات الجيل الخامس

تجارة عمان: أسعار الملابس لم تتأثر ومستقرة رغم التوترات الإقليمية