قراءة في تقييم وتحكيم الجوائز العالمية

قراءة في تقييم وتحكيم الجوائز العالمية

22-07-2025 10:58 PM

في جلسة عصفٍ ذهنيٍّ عبر المنصات الرقمية، مع خبراء في إدارة وتحكيم الجوائز بمختلف أشكالها ومستوياتها، من مختلف الدول العربية، وخاصةً ممن لديهم تجارب طويلة في إدارة وتحكيم الجوائز،
استعدتُ من الذاكرة بعض تجاربي الشخصية المتواضعة، وتعلّمتُ منها الكثير الكثير من أساتذة كبار، وعلى رأسهم المرحوم بإذنه تعالى معالي الدكتور محمد خير مامسر، ومعالي الدكتور عاطف عضيبات، والدكتور عبد اللطيف البخاري، و الدكتور علي الجفري، والدكتور حسن النبلي، والدكتور أحمد سعد الشريف، وغيرهم ممن عملوا في إدارة وتحكيم جوائز عربية عديدة.
ولذلك أجد من المناسب أن أسلّط الضوء على ما استطعت أن أتوصل إليه من هذه التجارب مع قامات وطنية وعربية وإقليمية، والاطلاع على الأدب النظري والبحوث والدراسات في هذا المجال.
في ميزان المؤسسات، لا تُقاس قيمة الجوائز بمقدار قيمتها المادية، ولا بحجم الاحتفاء الإعلامي الذي يصاحب الإعلان عنها، وإنما تُقاس بسلامة الإجراءات، وشفافية المعايير، واستقلالية الجهات المخوّلة بالتحكيم. إذ إن الجوائز، في جوهرها، تعبيرٌ مؤسسيٌّ عن الإقرار بالتميّز، والاعتراف بالاستحقاق، وتكريس العدالة والإنصاف.
وفي هذا الإطار، فإن لجان التقييم والتحكيم تُمثّل السلطة الفنية المستقلة التي تُناط بها صلاحية البتّ في ملفات الترشيح، استنادًا إلى معايير محددة مسبقًا، ومعلنة، ومتوافقٍ عليها. وهي لجان يُفترض أن تعمل في بيئة مهنية محصّنة من أيّ تأثير، وتُمنح صلاحياتها بعيدًا عن أيّ سلطة تنفيذية أو إدارية داخل الجهة المالكة للجائزة.
ويُعدّ أيّ تدخّل من قبل مجالس الأمناء، أو لجان الجائزة المختلفة، في أعمال لجنة التقييم والتحكيم – سواء من خلال التوجيه، أو الإيحاء، أو مراجعة النتائج – خرقًا صريحًا لمبدأ استقلالية القرار التحكيمي، ويُخالف أبسط القواعد الناظمة للحوكمة الرشيدة. فالمبدأ المستقرّ في النظم الإدارية واللوائح الناظمة للجوائز العالمية هو أن الجهة التي ترسم السياسات ليست هي الجهة التي تبتّ في النتائج، والجهة التي تُنفّذ ليست هي الجهة التي تُقيّم.
وتجدر الإشارة إلى أن تدخّل أيّ جهة في عمل لجان التحكيم لا يُعدّ مخالفةً إجرائيةً فقط، بل ينطوي على أبعاد قانونية وأخلاقية خطيرة. فمن الناحية القانونية، فإن مثل هذا التدخّل يُشكّل تضاربًا في المصالح، وقد يُفضي إلى إساءة استخدام السلطة، خاصةً إذا ترتّب عليه منح الجائزة لغير مستحق، أو إقصاء مرشّح دون مبرّر فني. وفي بعض السياقات، ولا سيّما في حال كانت الجائزة مُموّلة من المال العام، قد يُشكّل ذلك مخالفة تستوجب المساءلة الإدارية أو حتى القضائية.
أما من الناحية الأخلاقية، فإن تدخّلًا من هذا القبيل يُجهِز على حيادية الجائزة، ويفرغها من مضمونها، ويفقدها الشرعية، ويُلحق الضرر بسمعتها، وبثقة الجمهور، وبكرامة الفائزين. إذ لا قيمة لجائزة يفوز بها من رُشّح بناءً على توصية، لا من خضع لتقييمٍ نزيهٍ وشفّاف.
ولذلك، فإن أبرز الجوائز العالمية، وفي مقدّمتها جوائز نوبل، والجوائز التابعة لليونسكو، وجوائز الأوسكار الأكاديمية، تُكرّس في لوائحها مبدأ استقلالية لجنة التحكيم باعتباره قاعدة وخطًّا أحمر، وتنصّ صراحة على أن قرارات اللجنة نهائية وملزمة، ولا يجوز مراجعتها أو التدخّل في مجرياتها.
إن احترام استقلالية لجان التقييم والتحكيم ضرورةٌ قانونية، ومؤسسية، وأخلاقية. وأيّ إخلال بهذا الاستقلال من شأنه أن يُفقد الجائزة مشروعيتها، ويُلغي أثرها المعنوي.
وعليه، فإن صيانة هذه الاستقلالية تستلزم وضع مدوّنات سلوكٍ واضحة، تنصّ على عدم جواز التدخّل في أعمال التحكيم، وتُحدّد آليات التعامل بين لجنة التقييم والتحكيم وبقية مكوّنات منظومة الجائزة، وتُرسّخ الفصل بين الجهات الراعية والتنظيمية والفنية، بما يضمن الحياد، ويصون العدالة، ويرفع من قيمة الجائزة أمام الرأي العام والمجتمع المستهدف.
الجائزة التي تُمنح باستحقاق، هي شهادة قيمة، لا للفائز وحده، بل للمؤسسة التي تحمي معاييرها، وتصون استقلال لجانها، وترفض المساومة على نزاهة قراراتها.
أما على مستوى بعض الجوائز الوطنية، فكيف يُترك الأمر لمن لا يمتلك معرفةً ولا خبرة في إدارة الجوائز، ثم يستعيض عن الخبرة والاختصاص بذكاءٍ اصطناعيٍّ ينسخ ما لا يُدرك؟! أبهذا تُصاغ المعايير؟! أبهذا تُبنى الأدلة؟! فأيّ رجاءٍ يُعلَّق على نتائج تبدأ بالنسخ وتنتهي باللصق؟!
لقد تحوّلت بعض الجوائز الوطنية إلى ساحة عبث، تُدار بغير أهلها، وتُفرَّغ من رمزيتها على أيدي مراهقين يتصدّرون مشهدها، بدعمٍ من لا يفقه شيئًا في طبيعتها، ولا يدرك جوهر إدارتها. فصاروا ينسخون من الذكاء الاصطناعي، ويلصقون، وكأنّ الجائزة تُصاغ بنقرة، لا بفكرة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

اختتام بطولة الاستقلال للتنس بمشاركة 182 لاعباً ولاعبة

الصفدي ونظيره الفنزويلي يجريان مباحثات موسّعة شملت توقيع 4 اتفاقيات

استمرار عمل المؤسسة الاستهلاكية المدنية في اليومين المقبلين

تفعيل الربط الإلكتروني مع سوق أبو ظبي للأوراق المالية في حزيران

اليابان تدعم خدمات استدامة المياه للاجئين السوريين بالزعتري

إطلاق فيلم ترويجي يسلط الضوء على أبرز المقومات الاستثمارية بالأردن

روبيو يتحدث عن احتمال صدور إعلان بشأن حرب إيران في وقت لاحق الأحد

مصدر إيراني: طهران لم توافق على تسليم مخزونها من اليورانيوم

أسعار الذهب في السوق المحلية الأحد

كهرباء إربد تحتفل بعيد الاستقلال الـ 80 بإطلاق عمل فني ووطني مميز .. فيديو

%4 نسبة انخفاض العجز في الميزان التجاري الفلسطيني خلال آذار

الملك يبحث مع ترامب وقادة دول وقف النار بين واشنطن وطهران

مستوطنون يحطمون مركبتين وصرح شهيد في نابلس والخليل

واشنطن وطهران على أعتاب اتفاق تاريخي .. أبرز ما ورد

صندوق الملك عبدالله الثاني .. 25 عاما من التنمية برؤية ملكية

تصريح الأميرة رحمة عن “أني أولادي من إربد” يشعل التفاعل ويحقق انتشاراً واسعاً .. شاهد الفيديو

الأردنيون العائدون من الكونغو وأوغندا يخضعون لحجر 21 يوما

سعر الذهب محلياً الجمعة

أسعار الأضاحي ترتفع والروماني يتجاوز البلدي لأول مرة

تحذير للأردنيين من صور وفيديوهات تهدف إلى ابتزازهم

مع الزيادة السنوية .. موعد صرف رواتب متقاعدي الضمان

لاول مرة دينا تفضح كواليس زيجاتها وتعلن الحياة اجمل بدون رجل

توحيد ودمج المؤسسة الاستهلاكية المدنية بالمؤسسة الاستهلاكية العسكرية

بيان من هيئة النزاهة حول تصريحات النائب العماوي

بعد انتشار إيبولا .. مهم بشأن إدخال العاملات للمملكة

عرض مسرحي تربوي في ماركا يدعم التعليم الدامج وتمكين الطلبة

القبض على 3 متورطين بالاعتداء على أب وأبنائه في إربد والأمن يلاحق آخرين

أميركا : استنفار أمني عقب مجزرة بمركز إسلامي .. تفاصيل

إعلان نتائج انتخابات اتحاد طلبة جامعة العلوم والتكنولوجيا .. أسماء

ما حقيقة طلاق أصالة من فائق حسن