مجلس ترامب للسلام المزعوم هل يدمّر الأمم المتحدة

مجلس ترامب للسلام المزعوم هل يدمّر الأمم المتحدة

25-01-2026 03:43 PM

يقول الفيلسوف المعروف كارل ماركس: (إنّ الرأسمالية في قمة صعودها تتآكل من داخلها). ما يحدث اليوم على المسرح الدولي شيء لا يُصدّق، أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة.

الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة الأقوى في العالم والأكثر نفوذًا وتأثيرًا، ومهما كان الاختلاف مع سياستها، فإن هذه الإمبراطورية اليوم وصلت إلى أعلى درجات الإمبريالية، لكنها خانت ذاتها وانقلبت على نفسها، ومارست ما لم تفعله كل عصابات المافيا. فهذه الإمبراطورية التي صدّعت رؤوسنا بالحديث عن الحلم الأمريكي، والديمقراطية الأمريكية، وحقوق الإنسان على الطريقة الأمريكية، خاصة إبان الحرب الباردة، وكانت مصدر إلهام وحلم جميل لحلفائها في حلف الناتو والعالم، ولا سيما الشرق الأوسط، وكانت لها الثقل والدور القيادي في الناتو، الأمر الذي جعل الحلف ينام في العسل الأمريكي، ليصحو أعضاؤه على كوابيس لم يتوقعها أكثر المتشائمين من السياسة الأمريكية في كل دول العالم.

فقد بدأت إمبراطورية الشر بتدمير العراق تحت مسمّى تحرير الكويت، وحاصرت العراق بهدف إسقاط نظامه لمدة 13 عامًا، وعندما فشلت احتلّته بالقوة العسكرية عام 2003م، خلافًا لكل الأنظمة والقوانين التي كانت أمريكا أول من نادى بها. وبعد ذلك حاصرت سوريا حتى طبّقت عليها ما سمّته قانون قيصر الإرهابي، حيث أجبرت كل دول العالم على أن تحذو حذوها، إلا القليل ممن لم يرهبهم الكاوبوي الأمريكي. ولم تكتفِ بذلك، بل دعمت العصابات التكفيرية حتى تمكّنت من احتلال أجزاء من سوريا المنهكة اقتصاديًا.

وامتدّ الإجرام الأمريكي بأغرب عملية قرصنة إرهابية، حيث قامت، بأمر من ترامب، باختطاف الرئيس الفنزويلي المنتخب نيكولاس مادورو مع زوجته، بتهم ما أنزل الله بها من سلطان، وقُتل وجُرح المئات من الأبرياء الفنزويليين. واليوم تهدّد إيران، وتدعم الإرهاب داخلها، الذي أحرق المساجد والدوائر الرسمية وغير الرسمية، وقتل الأبرياء في الشوارع العامة وداخل دور العبادة، وترامب، رئيس أقوى دولة في العالم، يشجّع هذه الهمجية بالمزيد منها، ويشجّع الإرهابيين على احتلال الدوائر الرسمية.

واليوم يفاجئ ترامب العالم بتهديد الدنمارك، وأن عليها أن تسلّمه جزيرة (غرينلاند) الدنماركية رضًا أو بالقوة، حتى لا تقع بيدَي الصين وروسيا. هل رأيتم جنونًا أكثر من ذلك؟ كما هدّد باحتلال كندا، ضاربًا بعرض الحائط مصالح أقرب حلفائه في الناتو، لكنه ترامب!

والأكثر مأساوية أنه خرج علينا بما سمّاه خطة ترامب لوقف حرب الإبادة، التي لم تتوقف لا في غزة ولا في جنوب لبنان، وهو أكبر الداعمين لهذه الحرب المجنونة، ليقدّم لنا آخر صرعاته فيما عُرف بـ«حلف السلام»، متجاوزًا الأمم المتحدة وما تسمّيه أمريكا ذاتها بالشرعية الدولية.

وبعقلية التاجر يعلن ترامب أن من يريد الانضمام إلى تحالفه الجديد عليه دفع مليار دولار مقابل قبول عضويته، وقد قبلت بها بعض الأنظمة الناطقة بالعربية بمجرد عرضها من ترامب، في الوقت الذي رفضتها كثير من الدول الأوروبية احتجاجًا على السياسة الأمريكية الجديدة التي يقودها ترامب، وهذا من سخريات هذا الزمن العجيب.

ومن مفارقات القدر الحزينة، واستهتارًا بكل العالم وقيمه وإنسانيته، توجَّه الدعوة للمجرم السفاح نتنياهو ليكون أحد أعضاء حلف ترامب للسلام، وهو الذي قتل وجرح نصف مليون فلسطيني، ويقارب العدد لبنانيًا، لكننا نعيش في عصر اللامعقول.

ترامب ومجلسه لا يساويان قيمة الحبر الذي كُتبا به، والبلطجة الفوقية التي يُعامل بها العالم أعادت لنا التجربة النازية في ألمانيا، عندما سكت العالم على جرائم هتلر، وكانت كل دولة تعتقد أن الخطر بعيد عنها، حتى احتُلّت معظم الدول الأوروبية، ودفع العالم كله ثمن ذلك السكوت، وعلى رأسه الشعب الألماني ذاته. فهل ينتبه العالم، وعقلاء السياسة الأمريكية بشكل خاص، لهذا السفاح ويوقفونه عند حدّه قبل فوات الأوان؟ حتى كلماته التي يستخدمها هي نفسها كلمات هتلر: اسحق، أدمّر، أبيد، أقتل. فهل هذه، يا عقلاء العالم، لغة رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم، أم كلام رئيس أكبر عصابة في العالم؟

العالم والإنسانية كلها في خطر، فهل يعي عقلاء أمريكا والعالم خطورة الموقف؟ وهل يدركون أن مجلس ترامب للسلام إهانة لكل دول العالم ومؤسساته الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، التي أُسقطت هيبتها بفعل الكيان الصهيوني عبر وجوده الذي أقرّته الأمم المتحدة ذاتها بقرار منها، واليوم يوجّه ترامب لهذه المنظمة الضربة القاضية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد