في الفشل حياة - د. صلاح داود

 في الفشل حياة - د. صلاح داود
فلسفة التغيير
سأعترف أنني ترددت كثيرا قبل أن أكتب هذه المقالة أو أختار هذا العنوان، ولكن ما أفكر به الآن أننا حقا بحاجة لأن نكون أحيانا فاشلين.. فنحن في النهاية بشر والنجاح الكامل ليس لنا ولو أننا لا نفشل مرات وننجح مرات أخرى في حياتنا لما كنا بشرا.
 
فكرت عميقا في دواخل ذاتي ونفسي ودقائقها لماذا يجب أن أفشل أكثر، هل لأثبت لذاتي أنني ما زلت أعيش مع البشر، أم لأشعر بطعم النجاح إن لاح في أفقي، أو لأكون جديرا به ومستحقا له على الأقل؟ ألم يُبعث الأنبياء للبشر حينما فشلوا  في تحقيق ما خُلقوا لأجله؟ ألا نحسدهم أحيانا لوجود الأنبياء أو الرسل بينهم؟ قد يخالفني البعض في ذلك؟ ولكن قبل أن تسألني..سأجيبك الآن: لا تفشل لكي تتنزل عليك رحمات الله أو على الأقل لا تتعمد الفشل لتُظهر نفسك مسكينا وتستحق الرحمة أو أنك زاهدا أو متصوفا أو أي شيء آخر.
 
الرزايا والابتلاءات والمصائب والمصاعب كلها بنظري هدايا من الله ومنح وجوائز، فالله يأخذ منك الآن ليعطيك لاحقا، وبالطبع مثلي ومثلك يعتقد أن هذا كله جزء من الفشل أو القمع أو الإذلال وربما الاستغلال لإنسانيتنا وضعفنا وقلة حيلتنا، امتهان لكرامتنا البشرية، ولكن في نهاية كل مصيبة تعرضت لها أراجع ذاتي مرات وكرّات وأنظر إلى الماضي القريب، فأرى كم أصبحت قويا وازددت خبرة وعلما وصبرا، أنظر إلى مكامن ضعفي التي كنت أعرفها فأجد أنها اختفت بل أصبحت نقاط قوة.. فأحمد الله مرات ومرات.. ففي الفشل حكمة إلهية وليست كما ظننت أن الله يكرهني.. بل هو يحبني.. بل يحبني كثيرا..
 
نعم يا كرام إنه الفشل.. ذلك الغموض والسر الإلهي الذي أطلقنا عليه أقبح الأسماء وسببناه وشتمناه، هو ما سيعيدنا إلى إنسانيتنا وبشريتنا وحقيقتنا التي نسيناها عندما ظننا أننا نقدر على كل شيء، وعندما علمونا في التنمية البشرية تلك الصرخة الواهمة "نعم أستطيع".
 
لا أريد التشاؤم ولا أحبه ولكنها حقيقة إلهية واضحة كوضوح البدر في الليلة الظلماء، الكمال ليس لنا والمدينة الفاضلة في الخيال والسعادة ليست هنا والجمال في الروح وليس في الجسد والسمو في الأخلاق وليس في المال ومن الطبيعي ألا تتحقق الأحلام وتصبح جروحا وتضمحل وتختفي فنحن في النهاية بشر ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، توقع دائما خلال رحلتك البشرية الإنسانية الناقصة الضعيفة الواهنة أن تتعرض إلى الخسارات الفاجعة والآلام وربما الطعنات ليس من الخلف فقط بل من الأمام لأنك لم تعط ظهرك لعدوك بل حافظت على شجاعتك ولم تنسحب..
 
الفشل هو الأب الشرعي للنجاح، والنجاح الكامل ليس في عالمنا أبدا فهو في عالم الملائكة والأنبياء بما يوحى إليهم لا ببشريتهم، عالمنا بوحشيته هو ما يزيدنا إصرارا على أن نظهر إنسانيتنا وبشريتنا وننجح بذلك، مثل شعورنا بالنعاس هو ما يزيد فينا الإصرار على النوم وصنع المستحيل لنحصل على ذلك النوم الهانئ.
 
افشل أكثر لتتعلم أكثر ففي الفشل قوة ، وكلما فشلت ازدادت تجاربك وخبراتك وحكمتك وإنسانيتك، لا تتعود على النجاح كثيرا فتموت فيك قيمة المقاومة والقتال والهجوم والدفاع، الفشل مؤلم ولكنه ليس إهانة، فألمه كرامة وبناء لنفسك من الداخل وسمو لروحك للأعلى وسيسعدك لاحقا عندما ترى نتائجه في حياتك اللاحقة، فبسبب فشلك ستنتزع النجاح انتزاعا وبقوة، فالفشل صمود وتحمل للألم والعذاب والمسؤولية ولكن تذكر ثم تذكر انه وسيلة لا غاية... فلا تستعد لتتبناه ولكن استعد ليكون معلمك الناصح في بعض محطات حياتك..
 
الفشل يجعل منك شخصية منفصمة، شخصية تبحث عن الفشل لتنجح والهدم لتبني وتتقمص أدوارا غريبة لتضع نفسها مكان أولئك الذين فشلوا لتتجنب خيبات أملهم لاحقا.. الفشل ليس جريمة ولا عيبا ولا ضعفا ولكنه في النهاية درسا قيما يعلمنا أننا ما زلنا بشرا.. وفي فشلنا حياة ونجاح..
دمتم بخير