صاحبي الذي فقد ظلّه

صاحبي الذي فقد ظلّه
الكاتب : ابراهيم محمود ابو عجمية
توقفت طويلا ..فصاحبي لا يعرف أن ينافق ، فهو إذا لم يقتنع بفكرة ما تنقلب سحنته على الفور .. وتحمرّ عيناه ويأخذ بالدفاع عن أفكاره التي اعتنقها ، ويهدر كالبركان مفنّدا وناقدا حتى إذا أحسّ بالإجهاد كادت أنفاسه تتقطع وكان يغادر المكان مغضبا .. هل هذا هو صاحبي الذي أعرف ؟ إنه يتحدّث عن كافكا كما لو كان هو الذي أوحى له بكتابة ( القضيّة ) ويتحدّث عن (عزرا باوند ) كما لو كان هو الذي كتب له جلّ أشعاره ويتأوّه بألم حين يقرأ أنماطا من شعر ( إليوت ) هل هذا حقيقة هو صاحبي الذي أعرف ؟
 
وقف كما يقف عادة وهو يناضل عن أفكاره رافع الرأس ، منتفخ الأوداج ، تتطاير جمله كالسهام ، عيناه تطلقان شررا في كلّ اتجاه.. وأنا أتابعه بانشاده خطرت لي فجأة فكرة غريبة لقد نسي صاحبي نفسه وظنّ أنّه من التغريبيين وما أن خطرت لي هذه الفكرة حتى استرخيت على المقعد مددت قدميّ بعيدا وغصت في المقعد مسترخيا كيف لا وقد أصبت كبد الحقيقة كما يقولون فصاحبي من المستحيل أن يتغير بين عشيّة وضحاها وصاحبي من المستحيل أيضا أن يستبدل موقعه من ضد إلى مع في غمضة عين ...حين انتهت الأمسية قلت له : ما الذي حدث ؟ هل أصبحت تغريبيا ؟ قال : لم أكن تغريبيّا في يوم من الأيام ولن أكون . قلت باستغراب : ولكنك دافعت عن التغريب ولم تفرّق بين هذا وذاك قال :أجل لأكون تغريبيا مع التغريبيين وحارس تراث مع أهل التراث ..قلت وقد فوجئت : إذن لم تكن ناسيا .. لم تنس نفسك إذن .. لقد أضعت يا صاحبي الجماعتين فلن يصدّقك تغريبي واحد بعد اليوم  ولن يصدقك تراثي لقد أضعت كثيرا وأول من أضعتهم صاحبك الذي هو أنا ...