مغناة عاصمة الحجر ترنيمة للحرية والحنين - ربا زيدان

 العشق.. في زمن الأوقات الصعبة فعلُ مقاومة، كما المدافع والأصوات الهاتفة بالحرية في السّاحات المترعة بالدم والطرقات الضاّجة بالغضب... والكتابة عمّا نؤمن به فعل مقاومة آخر، خيارٌ شجاعٌ في زمن الصمت والتخاذل وحسابات الربح والخسارة.

 
نكتب لنتذكر...
 
نكتب لكي لا تغدو الأرض بعيدةً، ولنؤكد أن الدفاع عن قضايانا الوجودية ضرورة حياتية وليس ترفا موسميا، نكتب لأن الفنّ كان وما يزال نبض الأمم عبر الزمن، ومركبها الذي تعبر به إلى موانئ الأمل تحت أعين الجلادين والسجانين والحراس والسماسرة.
 
في ذاكرة الشرق، ظل للغناء المقاوم نصيبه ودوره الدائم في تشكيل الهوية السمعية للأجيال، فمنذ لحن سيد درويش "يا بلح زغلول" متعاطفا مع نفي سعد زغلول ورفاقه على يد الإنجليز، ومتحايلا على المنع بالتغني بثورة 1919م، إلى تواشيح الشيخ إمام، وشعر أحمد فؤاد نجم المحرض على الانتفاض والمذكر بوجع "النكسة" واستشهاد الأبناء على الجبهة، إلى صوت حسين منذر الذي يطرب له القلب حين يصدح بكلمات أحمد دحبور ومحمود درويش وتوفيق زياد، منذ ذلك كله غدا الشعر وغدا اللحن وغدا الصوت أداة تمرد ومرسالا للغضب.
 
وحده الغضب كما الحب ينثر النار في القلوب، وهذا ما قام به الشاعر لؤي أحمد حين كتب بقلبه قبل قلمه مغناة: " عاصمة الحجر"، فقد أجج، مذكراً ومستعيدا، بالعذوبة تارة وبالعنفوان تارة أخرى رائحة الأرض والحقول، ومراتع الصبا وحلقات اللعب والإخفاقات الأولى في الحب. فأن يتداخل مفهوم الوطن في قصيدته بالحبيبة، وأن يشتبك المعنيان ثم يتماهيان حتى لا يعود الفصل بينهما ممكنا هو فعل واع وإنساني، وأن تصل هذه الدفقات من النبض شعرا ولحنا وصورا لأجيال لا تعرف من الوطن إلا صوره، لمجهود جبار وعمل فذ.
 
فكيف إن رست في القلب مدينة ليست كغيرها ... قطعة من سماء .. ومعقلٌ أخير للصمود والإباء.. ووجهة حلم، كما يصفها الشاعر في مغناته، فردوس لا تشد الرحال إلا إليه، وعاصمة مقدسة تقبض أحجار أسوارها على نار تأبى أن تنطفئ.
 
فِردَوسُنا القُدْسُ لا فِردَوسَ تُشْبِهُــهَـا
 
فَــحُــورُهَــا الـعِــيـنُ كَــنــعَــانِــيّــةُ الـحَـــوَرِ
 
تأتي هذه المغناة الحلم في زمن بائس وقاس، لتفتح لنا نوافذ الأمل، فعلى الرغم من استحضار القصيدة للمأساة والتهجير والاغتراب، إلا أن كلماتها لم تمعن في اليأس ونأت بإيقاعها العذب ومفرداتها الجميلة عن السوداوية، جاءت مغناة "عاصمة الحجر" لتذكر بأن أي رهان على التئام جرح الأرض دون عودة أهل الأرض رهان خاسر، وأن الجروح غير الملتئمة وحدها، تغدو أكثر إيلاما إن لم يثأر أصحابها لها.
 
تقرر الكلمات رفض كل "صفقات القرن"، وجميع محاولات "التطبيع مع القبح" والدعوة للاستسلام، منددة بالجروح المندملة ومنتصرة للجروح التي ستبقى مفتوحة حتى تعود الحقوق لأصحابها، ومؤكدة أن الحق لا يسقط بالتقادم، رواية شعرية متعالية على جميع الروايات الداعية للنسيان.
 
القصيدة نفحة تمرد، وترنيمة حرية، وسط فوضى الوجهات وضياع البوصلة المشيرة للأوطان، القصيدة تقرير لوحدة الحال والتحام المصير، ممهورة بتوقيع شاعر أردني ومثقف عروبي حملنا معه إلى عوالم من حنين، ودروب الزمن الجميل الذي كنا نسمع فيه أصوات المآذن التي سالت عليها فضة القمر، ونرى فيه القباب التي استضاءت لعاب الشمس، والمطر الذي يغسل أجراس كنائس المدينة العتيقة...
 
تستحثنا مغناة "عاصمة الحج"، بعنوانها المستمد من تضاريس العاصمة الأبدية، وقلب فلسطين القضية، على الصمود، فللزيتون مواسمه التي ستعود بأهازيجها وطقوس فرحها، وللزيت زمنه الذي سيصفو فيه ولو عكره الغرباء.
 
غـــدا يَـعـودُ إلى الزَّيــتُـــــونِ مَـــوسِـمُهُ
 
كي يَــقْطُرَ الكَــرْمُ زيــتًــــا غيرَ مُعــتـَـكــرِ
 
المغناة التي جاءت بصوت نبيل ابراهيم وألحان أيمن عبداالله ستظل نقشا أبديا في ذاكرة مَن قالوا (لا) في وجه مَن قالوا (نعم):
 
لأنني غُصنُكِ الـمَقطوعُ من شَجَري
نَــايِـــي بِلا شَــــــفَــةٍ عُــــودِي بِلا وَتَـــــرِ
لأنَّني الـهُــــدهُــــدُ الـمَفـــــتُـونُ بامــــرَأةٍ
مـا ارتَـحــتُ مِـن سَـــفَـرٍ إلا إلى سَــــفَـرِ
أُسـائِلُ السُّورَ عنْ أَهلي فَـــيُخبرُنــي:
لم يبقَ في القُدسِ إلا النَّارُ في الحجرِ
أنـــا وأنـــتِ ولــيلُ الـحربِ في دَمِــنـــا
ريـــحٌ مُــــــهَاجـِــرةٌ مَــعْ مَـــوكـِـبِ الغَجَرِ
وحدي الغَــريبُ وضِيقُ الأرضِ لي قَــــدَرٌ
فلا تَـــضــيــــقِــــي بِــمَنْ خَــــلَّاكِ للقَـــدَرِ
عندي من الوقتِ ما يَكفي لتَحمِلَني
إلى المدى الـمُشتَهى أُرجُوحَةُ الضَّجَرِ
يا أختَ مكَّـــةَ هَـــلْ إلاكِ عاصِــمـةٌ
لـهَا تُــــشَــــدُّ خُــيــولُ الـفَــاتِـــــحِ الـعُــمَـــري
يا حُزنَ فاطـــمةٍ تَـــرثـي لـمَـــريـــــمِـهَا
دَمًــــا تَــــــعَـــــمَّــــدَ بــالإنــــجــــيــــلِ والسُّــــــوَرِ
عَـيــنانِ مِنْ مَطرٍ لو تــبكــيانِ بَـكَت
عينُ الــسَّـــماءِ غَـــمَـــامًـــا نَـــاعِــــمَ الـمطَــرِ
باقٍ كمـــا كانَ جُـــرحٌ قِيلَ: مُلـــتَــئِـــمٌ
والـجُرحُ يَـجْـــرَحُـــهُ أنْ لا يُــقالَ: طَرِي
غـــدا يَـعـودُ إلى الزَّيــتُـــــونِ مَـــوسِـمُهُ
كي يَــقْطُرَ الكَــرْمُ زيــتًــــا غيرَ مُعــتـَـكــرِ
مَكانُـكِ القلبُ مهما كُنتِ عاتِـبَـةً
مِـــن أوَّلِ العُــمْــرِ حتّــى آخِـــرِ العُــمُـــرِ
فِردَوسُنا القُدْسُ لا فِردَوسَ تُشْبِهُــهَـا
فَــحُــورُهَــا الـعِــيـنُ كَــنــعَــانِــيّــةُ الـحَـــوَرِ
سَتَـــنــزِعُ الشَّوكَ مِـنْ أَقـــدامِ مَــنْ عَبرُوا
يـــومًـــا شَوَارِعَـــها فـي دَفــتَـــرِ الصُّـــوَرِ
متى استَضَاءَتْ لُعابَ الشَّمسِ قُبَّتُها
على الـمــآذنِ سَـالـتْ فِــضَّـــةُ القَمَــرِ