أي وطنية نريد؟ - حشاني زغيدي

السوسنة - أحيانا يتاجر بعض الناس بالوطنية يحسبونها قميصا أو إزارا، إذا شاءوا لبسوه و إذا رغبوا عنه خلعوه، بئس العشرة هذه ! . إن الوطنية الحقة عطاء، و إن الوطنية في فهمنا ولاء . إن الوطنية حب فطري يولد بمجرد أن تلامس الرحى تربة الوطن، فهو هبة ممنوحة من السماء، يشترك فيها الجميع، يشترك في حبها الميسور و الفقير،و يشترك في حبها الكبير و الصغير،كما يشترك في حبها ابن البادية و ابن المدينة، فهم في حبها سواء. إن حب الوطن لا تستطيع شراؤه من الدكاكين أو اسبيرات ، كما يفعل اليوم تجار الوطنية المزيفون ، إن الوطنية في قاموسنا ماسة ثمينة لا تباع في الدكاكين، أو الأسواق المزيفة. إن الوطنية الحقة شعور و انتماء ، و هي بذل و عطاء . أما وطنية النهب و السلب و الارتقاء على رؤوس الأشهاد بتباهي و الاستعلاء ، فهو شطط و خروج صريح من باحة الوطنية. ولله در أحمد شوقي كيف يختصر المعاني حين يصف الحب الحقيقي للأوطان يقول :- وللأوطــــان في دم كـل حرٍ يدُ سلفت ودين مستحــــــقٌّ و يتواصل جمال حب الأوطان في نظم الشعراء، وقد وجدت أبياتا غاية في الجمال لابن الرومي الشاعر العباسي الشهير قصيدته هذه التي تخللتها أبيات عظيمة في حب الوطن يقول في مطلعها : ولــــي وطــــنٌ آلــيـــت ألا أبـيــعَــهُو ألاّ أرى غـيـري لــه الـدهـرَ مالـكـا عهْـدتُ بـه شــرخَ الشـبـابِ ونعـمـةً كنعمـةِ قــومٍ أصبـحـوا فــي ظِلالـكـا فـقــد ألـفَـتْـهُ الـنـفـسُ حـتَّــى كـأنــهلهـا جسـدٌ إن بــانَ غــودِرْتُ هالـكـا وحـبَّــب أوطـــانَ الــرجــالِ إلـيـهــمُ مـــآربُ قـضَّـاهـا الـشـبـابُ هـنـالـكـا إذا ذكــــروا أوطـانَـهُــم ذكَّـرتـهـمُـوعُـهـودَ الصـبـا فيـهـا فحـنّـوا لذلـكـا إن الوطنية التي نألفها، هي حب و حنين لقطعة من القلب، لها حق الرعاية و الدفاع و الحماية. إن الوطنية التي نألفها وطنية يتآلف فيها النسيج المجتمعي في رحاب الوطن، فيتشكل منهم درع واق، و سياج حام . إن الوطنية التي نألفها وطنية تجمع المفاصل، فتكون فيها الأعضاء متجانسة، لا يرقى جنس عن جنس، و لا يستعلي عضو عن عضو، فالجميع في ذلك الوطن سواء. لا يستأثر فيها القوي بالمكاسب، فالجميع يشعر في تلك القطعة بالكرامة و الحرية . إن الوطنية التي نريدها وطنية جامعة، يشعر الجميع فيها بالإخاء، يشعر الجميع فيها بالآمان . إن الوطنية التي نحلم بها أن يشعر المرء أنه حر طليق، يبحر في سماء الوطن، فلا يشعر بالخوف و الغربة و الاحتقار. إن الوطنية التي نعنيها واحة ظليلة يشعر الجميع فيها بالراحة و الأنس، يشعر الجميع فيها بالسكينة . ( رغم المحن أعشقك يا وطن)