جنازة إليزابيث والحسين دروس للتاريخ

mainThumb

25-09-2022 11:35 AM

نعم إنّها دروس للتاريخ، شكلت جنازة الملكة اليزابيث الثانية بخروج ملايين البريطانيين وعلى اختلاف المشارب لوداع أطول ملوك بريطانيا جلوسا على العرش بعد سبعين عاماً من الحكم، حدثاً مهيباً وفريدا، أحدثَ ضجيجاً إعلامياً كبيراً، وشغل تفكير الناس، وأخذ طابعاً استثنائياً عالمياً مقارنة بأحداثٍ خطيرةٍ تهدّد مصير العالم.
الجنازة، تمثّلت بعواطف جياشة، صادقة، عفوية، لم تكن سياسية او مرتب لها، فحجم الحشود التي اصطفت عدة أيام بلياليها الباردة لتقديم الاحترام الواجب لملكة محبوبة في رحلتها الأخيرة نحو الأبدية، يدل على استقرار وشرعية الأنظمة الملكية من حيث العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
وقد تعودُ محورية الحدث إلى أنّ هذه الملكة بقيت تحمل عرش بريطانيا العظمى كلّ هذا الزمن، وشهد "حكمها" الطويل احداث كبيرة وعواصف سياسية واجتماعية واندلاع حروب وتبدّل عهود وتغيّر زعماء وأفول دول، وبقيت سبعة عقود رمزاً لمملكة وريثة إمبراطورية كانت تحكم نصف الكرة الارضية التي لا تغيب عنها الشمس.
مما سبق يتبادر الى ذهن كاتب هذه السطور وغيره من المتابعين عدداً من التساؤلات المهمة حول الحب الذي أظهره البريطانيون للملكة الراحلة، وهل هناك ما يشبه هذه الجنازة في العصر الحديث؟ وهل يمكن أن نصف هذا الحب العفوي بأنه من باب التسحيج؟.
سأستل الإجابة على هذه التساؤلات بسهولة ووضوح: أنه حب صادق نابع من الوجدان، ما يؤكد على أن الالتحام الشعبي مع الانظمة الملكية "بريطانيا والاردن نموذجا" يُعزى الى عامل الاستقرار الراسخ للملكيات التي يتميز نظام حكمها بالإنسانية والتسامح والعفو وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية والشعور بالأمن والطمأنينة مما يوفر البيئة المناسبة للتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، إضافة إلى الاعتماد على الإرث التاريخي والديني والشرعية الدستورية والهيبة الملكية.
جنازة اليزابيث الثانية لم تكن الوحيدة، وهنا تعودُ بنا الذاكرة الى سنوات خلت، عندما ودع الأردنيون عام ١٩٩٩ القائد الباني الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه، الذي كان وداعه إلى مثواه الأخير يوما مشهودا على مستوى العالم كله ، يوم حزن عميق بكته القلوب قبل العيون، كانت جنازته مهيبة وحاشدة حتى أن البعض وصفها بـجنازة العصر.
بعد سبعة وأربعين عاماً من الحكم، كان عهد الحسين عهد عمل ونماء وبناء وعطاء تكلل بتعريب قيادة الجيش العربي المصطفوي وتسليمه لقيادة اردنية، وانتصاره في معركة الكرامة التي كانت منعطفا هاما في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، اضافة الى شرعيته الدينية والتاريخية، ودفاعه الموصول عن المقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس، ومبادئ الثورة العربية الكبرى، وهذا فيض من غيض في سجل انجازات الحسين الوطنية.
برؤية موضوعية نجد أن الأنظمة الملكية كانت ولا تزال أكثر استقرارا في منظومة الحكم والعمل بالأحكام الدستورية الواجبة والأكثر قبولاً لدى شعوبها، فكما شهد العالم ما نسميه سلاسة الانتقال من الراحلة اليزابيث الى نجلها الملك تشارلز الثالث، شهد بلدنا الاردن نفس السلاسة حينما سلم الحسين رحمه الله ، الراية إلى نجله الأكبر الملك عبد الله الثاني ليواصل الإرث الهاشمي المجيد وبناء الدولة الحديثة في مئويتها الثانية ويقود سفينة الوطن إلى بر الأمان في ظل إقليم مضطرب سياسيا وامنيا واقتصاديا.