اختلاف فاخر
13-09-2024 10:48 PM
كنا قد وصلنا بمحض الصدفة إلى شارع بيكاديللي مشياً على أقدامنا، كان اليوم صحواً على غير عادة الأيام الماطرة التي سبقته، وكنا أنا ووالدي ووالدتي، في «خروجة» أخيرة نقضي بها آخر احتياجاتنا قبل العودة للوطن حين ساقتنا أقدامنا لميدان بيكاديللي. شاهدت فتاة تلبس قميصاً عليه صورة نصف بطيخة وتحمل في يدها علماً فلسطينياً. صرخت بالفتاة دون تمييز «تحيا فلسطين»، فردت عليّ التحية ملوحة بقبضة يدها. سارعت أسألها «هل هناك حدث؟ هل هناك تجمع ما؟»، أشارت إلى بداية الشارع لاهثة: «هناك مظاهرة ضخمة، الحقيها». سارعنا أنا ووالدتي ووالدي على دراجة سكوتر يستخدمها لتفادي أوجاع قدميه، ننضم لذيل المظاهرة وقد أخذتنا اللحظة وتصاعدت المشاعر لتتحول دموعاً في الأعين ورجفات في الأيادي وصرخات تخرج وهي تشق الحناجر شقاً.
من ذيل المظاهرة وجدنا أنفسنا ونحن نجد بالمشي والهتاف، في منتصفها، ثم في مقدمة أحد أجزائها، فهذه المظاهرة كانت من الضخامة أن تقسمت إلى أجزاء عدة مترابطة سدت الشارع العريض بأكمله، حيث توقفت حركة السيارات فيه تماماً، وحيث غرق بأكمله وبكل أطرفه في موج بشري هادر يهتف من أجل فلسطين. تلامست أكتافنا نحن الغرباء المختلفين تماماً عن بعضنا بعضاً، وترابطت قلوبنا رغم تباين الأشكال والألوان والألسن. جمعتنا مشاعر الألم والظلم والقهر وكذلك مشاعر الفخر والاعتزاز، فخرنا بفلسطين واعتزازنا بالموقف الذي جمعنا تحت رايتها اليوم. رأيت في الأعين انعكاس هذا الشعور بالاختلاف «الفاخر،» أننا لسنا كالبقية، لسنا صامتين، لسنا قابلين، لسنا متوحشين بتجاهلنا للاستعماريين قتلة الأطفال. لا بد أن شيئاً من الأنانية البشرية والشعور بالأنا قد تلبسنا جميعاً، وهي الحالة الوحيدة التي تُقبل فيها الأنانية ومشاعر الأنا، أننا مختلفون عن هؤلاء الجالسين على المقاهي والرائدين للمتاجر، أننا اخترنا ولو لوهلة من الزمن أن نفعل شيئاً، ولو كان مشياً بسيطاً في مظاهرة وهتافاً ضائعاً في لجة الزحام.
«نريد الحرية لفلسطين، الآن، الآن، الآن، تسقط الدولة الإسرائيلية العنصرية، من النهر إلى البحر، فلسطين ستكون حرة، من البحر إلى النهر، فلسطين ستبقى للأبد، اسمع يا نتنياهو، نحن نتهمك بالإبادة. اسمع يا بايدن، نحن نتهمك بالإبادة. اسمع يا ستارمر، نحن نتهمك بالإبادة». بين الصرخات المتحشرجة، كنا نتبادل الالتفاتات، الابتسامات، ونظرات حنين وتفهم، كأننا نحيي بعضنا بعضاً على هذه الوقفة الصغيرة وهذا الموقف الضئيل. من حولي رأيت عدداً كبيراً من الإنجليز الذين علا هتافهم عمن عداهم، وكأنهم يحتجون على ويدفعون عن أنفسهم تواطؤ دولتهم. كانت هناك جالية فلسطين وأردنية وسورية ولبنانية كبيرة كذلك، حسب ما تبين لي، إن صح تمييزي للهجات. ميزتُ كذلك مصريين كثراً وبعض التونسيين والمغاربة، وكان هناك ألمان وفرنسيون في موج هادر من الأوروبيين المشاركين الذين صعب عليّ تمييز اختلاف لكناتهم الإنجليزية.
كان بين المشاركين كذلك مؤسسات ومنظمات أعلنت عن وجودها بلافتاتها. اقترب أحدهم من والدي وسأله إن كنا نحب أن نحمل لافتاتهم، قبلنا شاكرين ممتنين، ليتبين أنهم حزب عمالي اشتراكي، ما زاد من حماستي. في منتصف الشارع، كانت هناك مجموعة يهودية كبيرة تقف مكانها منتظمة في صفين، الأول من الكبار وأمامهم صف من الأطفال يحملون الأعلام الفلسطينية والملصقات ويهتفون «تسقط، تسقط الدولة الصهيونية الإسرائيلية». اقتربنا منهم ورددنا خلفهم هتافاتهم وشكرناهم وأطفالهم على حضورهم المعبّر، على هذه الإنسانية التي تفوقت على إنسانية أبناء عمومة كانوا هم أولى بها.
راودتني مخاوف محاولة الشرطة فض المظاهرة، كيف سنتحرك بدراجة والدي وبانضغاطنا وسط هذا الموج الهادر من البشر، إلا أن انتباهي سرعان ما كان يتشتت عن تلك المخاوف ذاهباً إلى حيث الصور المرفوعة على الأكتاف لأطفال مقتولة وأجساد مغمورة تحت الركام وآباء وأمهات ثكالى وأطفال جائعين ضائعين وحيدين، لكل الجُمل المكتوبة بخطوط الأيادي الركيكة والمعبرة جداً بصدق وإيمان والتي تذكّر بالعذاب والفقد، تشير للإبادة والتفجير، تصور الأطفال محمولين أشلاء في أكياس، تفصّل عدد القنابل الملقاة على غزة والتي فاقت بآلاف المرات في قوتها القنبلتين النوويتين الملقاتين على هيروشيما وناغازاكي مجتمعتين، توضح أرقام القتلى والجرحى والنازحين والباقين تحت الركام، تعدد المجازر التي بلغ عددها الآلاف منذ بداية حرب الإبادة على غزة في السابع من أكتوبر، تبيّن العدوان الحالي على الضفة وبقاع أخرى من فلسطين دون أي «مبرر»، لافتات ولافتات تنخر العظام بصورها وكلماتها وترويع فحواها، فأستحي من خوفي وأستظل بلافتتي وأكمل المسير.
سرنا نحو ما يزيد على الساعة، غسلنا إبانها قلوبنا بالدموع والهتاف والدعوات الصادقة على الصهاينة ومن أجل فلسطين. لم تكن تلك رحلة كسابقاتها، كانت معجونة بالذنب والتقييم المستمر لأخلاقية الرحلة ولمشروعية أماكن صرف نقودنا خلالها، لتأتي هذه المظاهرة فتصنع للرحلة معنى وتعطيها بعداً سيبقيها في أذهاننا أبد الدهر. لا يعفينا كل ما نفعل ونقدم من أننا نعيش حيواتنا طبيعية فيما مجزرة يومية تقع في فلسطين، لكن لربما هو هذا التحالف الإنساني العالمي الذي سيحدث فرقاً ذات يوم. ترى، متى سنمشي في مظاهرة ألفية أو مليونية كتلك على أرض عربية؟
(القدس العربي)
بعد سرقة 77 مليار لتر في الأردن .. فتوى تحسم الحكم الشرعي
النقل المدرسي المجاني يبدأ الأحد .. من يشمله فعلًا وكيف يعرف الأهالي أن أبناءهم ضمن الخدمة؟
حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة
77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال
سوريا تدين الاعتداءات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور
إيران تنفي إطلاق صواريخ باتجاه الإمارات
القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها
اللجنة الأولمبية تجتمع بالبعثة المشاركة في ناغويا 2026
الاحتلال يطرح عطاء لبناء 1234 وحدة استيطانية بـ إي1
نمو الإيرادات الضريبية في الأردن
ما وراء سلاح المليشيات وسلاح الدولة
عتب وحنين وتساؤلات .. اسم الراحل هاني شاكر يتصدر مجدداً
أسعار الذهب ترتفع في الأردن الأربعاء
جريمة مروعة في الكويت تدور حول أردني وابنه .. ما القصة
أردني اصطحب والدته لبرنامج زواج دون علمها وما حدث بعدها أشعل الغضب
في آب اللهاب .. الأردنيون على موعد مع أمطار غير اعتيادية
أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة
صدور قوائم تنقلات داخلية لمعلمين ومعلمات .. أسماء
بدأت بأجرة تصليح وانتهت بمنشار كهربائي .. تفاصيل مشاجرة القويسمة
خبر وفاة الفنانة دينا حرب تضج المواقع
مصرع زوج فنانة لبنانية بصعقة كهربائية أثناء الاستحمام
«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن
مهم من الحكومة بشأن الخدمات المقدمة للمواطن
والدة رونالدو تغيب عن زفافه واتفاقية قبل الزواج بشأن الثروة .. تفاصيل صادمة
تعديلات تمس الاقتراع والدعاية والترشح .. ماذا سيتغير في الانتخابات بالأردن؟