خريطة أميركية للعالم وجديدة

خريطة أميركية للعالم وجديدة

10-02-2025 02:15 AM

الباحثُ الفرنسي كريستيان جاكوب، المتخصص في علم الخرائط يرى أن «الخريطة هي انعكاس للذهن قبل أن تكون صورةً للأرض». وما كنت لأستحضر هذه المقولة لولا القصف المتتالي من تصريحات مثيرة للاستفزاز والاستغراب معاً، مصدرها واشنطن دي سي، وتحديداً البيت الأبيض. تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حول غزة، تبرز انعكاساً ذهنياً لخريطة أميركية جديدة، تعود بنا إلى الوراء مئات السنين، إلى عهد الإمبراطورية الرومانية، حيث تبدو صورة جيوشها الزاحفة في مختلف القارات لفرض سلام بصبغة وصيغة رومانيَّتين على العالم، يضمن سيطرة روما على أمم الأرض بلا منازع، وتواصل تدفق الأموال عليها.

الخريطة الترمبية الأميركية جديدة، يسعى لجعلها واقعاً على الأرض، ولا تقتصر على ضم الجارة كندا، وتحويلها إلى ولاية أميركية أخرى، ولا كذلك تتوقف عند الاستحواذ عنوة على جزيرة غرينلاند بانتزاعها من الدنمارك، أو استعادة قناة بنما، بل تجرأ علناً على التوسع بالامتداد إلى منطقة الشرق الأوسط، وتؤكد أميركا على رغبتها في إعادة بناء قطاع غزة، مقابل الاستحواذ عليه بوضع اليد، وتحويله إلى منطقة سياحية عالمية، أو حسب الوصف الترمبي: «ريفييرا شرق أوسطية».

الذين منّا أُتيحت لهم فرصة مشاهدة لقاء الرئيس ترمب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض مؤخراً، لم تفتهم، من دون شك، رؤية البريق اللامع والعجيب في عينيّ نتنياهو، وهو جالس بجانب الرئيس ترمب، يبتسم بخبث لا يخفى، بينما الرئيس ترمب يدلي بتصريحه العجيب الغريب للصحافيين حول مشروعه التوسعي في قطاع غزة. وبالطبع، من حق نتنياهو أن يبتسم ويعبر عن ابتهاجه. فما لم يستطع هو طوال سنوات من وجوده على قمة الهرم السلطوي الإسرائيلي قوله حتى همساً، قاله الرئيس ترمب في ثوانٍ علناً، ونقلته وسائل الإعلام الدولية: تهجير سكان القطاع إلى الأردن ومصر.

ما يثير الاستغراب أكثر، أن الرئيس الأميركي لم يلتفت إلى موجات الاستنكار الصادرة من عواصم العالم. ومن عواصم حليفة وصديقة لواشنطن على وجه الخصوص. وكلها تصبُّ في مجرى واحد، وهو أن حل النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي لن يكون بتهجير سكان قطاع غزة، بل بالسعي حثيثاً نحو حل وجود دولتين: فلسطينية وإسرائيلية. اللافت للاهتمام، أن البيانات الصادرة من حكومات العواصم الحليفة لواشنطن، صيغت أغلبها بلهجة استنكار قوية ترفض التهجير، كونه مخالفاً لكل القوانين والمواثيق الدولية، ويشكل انتهاكاً صريحا لها. إلا أن الرئيس ترمب ومبعوثه الشخصي إلى الشرق الأوسط، وبقية أعضاء الفريق الاستشاري، واصلوا معزوفة التهجير، غير مبالين بردود الفعل الدولية.

نحن إذن إزاء حقبة سياسية أميركية، شعبوية يمينية توسعية، غير مسبوقة، تتشكل سريعاً بقيادات غير منتخبة ديمقراطياً، مُنحت صلاحيات واسعة من قبل الرئيس ترمب، من دون إبداء اعتبار للقوانين الأميركية السائدة، وأن التحرك يتم على المستويين الداخلي والخارجي. على المستوى الأول من الممكن رصد تحركات رجل الأعمال إيلون ماسك، وما يقوم به من تغييرات طالت مؤسسات أميركية ذات صيت ورصيد دوليَّين. وعلى المستوى الخارجي يتولى الرئيس ترمب بنفسه التحركات على الساحة الدولية، من دون إبداء اهتمام بالأعراف والتقاليد الدولية السائدة، أو بالقوانين وبالمعاهدات الدولية.

مما يؤكد على انعكاس خريطة في الذهن في طريقها إلى التحقق على الأرض واقعاً. العظمة الأميركية المأمولة والمرتجاة تسير بخطوات سريعة نحو التحقق، تشبّهاً بما فعله أباطرة روما في قرون مضت. الهدف كان فرض واقع روماني، باسم السلام الروماني، يتم فيه إخضاع أمم العالم وشعوبه لسيطرة الجالس على كرسي الإمبراطورية في روما. ومن حسن حظ إسرائيل، خاصةً اليمين المتطرف بأحزابه ومستوطنيه، أن الإدارة الترمبية الثانية جاءت لتمكينها فعلياً من تحقيق ما لم تتمكَّن من تحقيقه منذ عام 1948. وبمعنى أوضح، فإن السلام الأميركي المقبل، في رأيي، ينسف بتهور بذور أي سلام محتمل في منطقتنا، من خلال حرصه على فرض واقع على الأرض، لا يأخذ في اعتباره سوى تحقيق حلم إسرائيل التاريخي، في الامتداد من النهر إلى البحر، ويُنفَّذ من خلال سياسة التطهير العرقي.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الطراونة: 49% من نزلاء مراكز الإصلاح نتاج قضايا مخدرات

133 ألف اعتداء على خطوط المياه .. والاعتداءات وراء 70% من الفاقد في الأردن

الزعبي: الاعتداء على المياه يتطلب إصلاحا لمنظومة الرقابة

العمل: إصدار وتجديد 64 ألف تصريح عمل منذ حزيران 2026

انخفاض أسعار الذهب 30 قرشا في تسعيرة الخميس المسائية

توسعة مطار عمّان ترفع طاقته إلى مليوني مسافر سنوياً بحلول صيف 2027

وزير الخارجية اللبناني يطالب طهران بوقف تدخلاتها في شؤون لبنان

الرواشدة ينعى الباحث والتربوي أحمد شريف الزعبي

العيسوي يعزي عشيرة العياصرة

هل كُنّا بحاجة إلى تغيير التوجيهي إلى حقول… والتضييق على الطلبة؟

عميد التراث الاردني في لواء بني كنانة الدكتور أحمد شريف الزعبي

البروفيسور ملاعبة ينعى. الدكتور أحمد شريف الزعبي

إسرائيليون يعودون إلى آخر مستوطنة في الضفة الغربية تم إخلاؤها عام 2005

الغذاء والدواء: تدابير جديدة لاستيراد البطاطا المجمدة ورقائق البطاطا

تعليمات جديدة لتمكين أسر المعونة الوطنية اقتصاديا

أرض بملايين الدنانير وموظفون بلا دوام .. الحكومة أمام أسئلة حاسمة .. صور

أردني اصطحب والدته لبرنامج زواج دون علمها وما حدث بعدها أشعل الغضب

في آب اللهاب .. الأردنيون على موعد مع أمطار غير اعتيادية

أمطار صيفية نادرة تفاجئ الشمال .. وهذا ما ينتظر الأردن خلال الأيام المقبلة

77 مليار لتر سُرقت من مياه الأردن .. رقم يفوق سعة سد الملك طلال

صدور قوائم تنقلات داخلية لمعلمين ومعلمات .. أسماء

القبول الموحد يغلق قبل المكرمة .. موعدان مختلفان وخطوة لا يجوز تأجيلها

مصرع زوج فنانة لبنانية بصعقة كهربائية أثناء الاستحمام

«خيّي وخيّك» .. اسم مطعم يفتح جدلًا لغوياً وإدارياً في الأردن

وفاة ممثل مصري شهير .. صورة

مهم من الحكومة بشأن الخدمات المقدمة للمواطن

والدة رونالدو تغيب عن زفافه واتفاقية قبل الزواج بشأن الثروة .. تفاصيل صادمة

تعديلات تمس الاقتراع والدعاية والترشح .. ماذا سيتغير في الانتخابات بالأردن؟

حقيقة الذهب والكنوز بوادي السير .. الآثار الأردنية تحسم الجدل وتوجه رسالة للبحيشة

بعد سرقة 77 مليار لتر في الأردن .. فتوى تحسم الحكم الشرعي