دولة المزاد الكبير: من يشتري الوزارة ومن يزاود على الملحق الثقافي؟

mainThumb

29-08-2025 01:44 PM

منذ أن اجتمعت البشرية في كهفٍ واحد تتقاسم النار واللحم المشوي، كان هناك دائماً من يشعل النار، وآخر يكتفي بالتصفيق له. عبر التاريخ، لم يختلف المشهد كثيراً: فئة حاكمة تملك السوط والجزرة، وفئة محكومة عليها أن تقول "نعم سيدي" ولو كان السؤال عن لون السماء.

الحكام تارةً يصلون عبر "ديمقراطية مشروعة"، وتارةً أخرى عبر "ديمقراطية مفروضة"، وفي كل الأحوال الشعب مجرد كومبارس يُستدعى عند الحاجة لإكمال المشهد الانتخابي. تصويت هنا، استفتاء هناك، والنتيجة واحدة: الكرسي باقٍ، والشعب واقف.

لكن بما أن اللعبة مكشوفة، اقترح وصفة أكثر جرأة وشفافية، بل ربما أكثر "اقتصادية": بيع المناصب بالمزاد العلني! ولمَ لا؟ بدل صداع الانتخابات والوعود المكرورة، فلنعلن الأسعار على الملأ ونبدأ المزاودة. هكذا يتحول المشهد من مسرحية سياسية إلى سوق مفتوح، يشارك فيه أصحاب الجيوب العميقة بينما يجلس الشعب في المدرجات متفرجاً، على الأقل وهو يعرف أن "السلطة للبيع" وليست مجاناً.

وتخيلوا أن الدولة أصدرت "كتالوج رسمي" يوزع على الراغبين، فيه الأسعار كما يلي:

رئاسة الوزراء: 20,000,000 دينار، مع ضمان أربع سنوات يشمل الحصانة وظهوراً يومياً على الشاشات.

الوزير: 10,000,000 دينار، مع سيارة مظللة وسائق رسمي وحق حصري في التصريح عن "الخطط المستقبلية".

رئيس مجلس النواب: 12,000,000 دينار، مع خدمة مجانية لإطفاء الميكروفون عند اللزوم.

عضو مجلس النواب: 6,000,000 دينار، يشمل رحلات سياحية للخارج تحت شعار "تبادل الخبرات".

رئيس مجلس الأعيان: 15,000,000 دينار، مع مكتب مطل على العاصمة وكرسي جلدي فاخر.

عضو مجلس الأعيان: 8,000,000 دينار، مع حضور مجاني لحفلات الاستقبال الرسمية.

محافظ: 5,000,000 دينار، والامتياز الأكيد: قص شريط كل مشروع حتى لو كان عبارة عن حديقة ألعاب.

رئيس جامعة: 7,000,000 دينار، مع حق منح شهادات الدكتوراه الفخرية للممولين الكرام.

رئيس هيئة مستقلة: 8,000,000 دينار، مع ضمان بقاء الهيئة حتى لو بلا أي عمل.

عضو مجلس هيئة مستقلة: 4,000,000 دينار، وظيفة مثالية لمحبي الكراسي المريحة.

سفير: 9,000,000 دينار، يشمل إقامة فاخرة في الخارج وحضور حفلات الكوكتيل.

ملحق ثقافي: 2,500,000 دينار، مع مكتبة شخصية وخطاب شهري عن "التبادل الثقافي".

ملحق دبلوماسي: 4,000,000 دينار، مع فرصة ذهبية لحضور حفلات الاستقبال والسهرات.

مدير عام دائرة: 5,000,000 دينار، مع ختم ذهبي لتوقيع المعاملات.

أمين عام وزارة: 2,500,000 دينار، وصلاحية استخدام عبارة "بناءً على تعليمات عليا".

رئيس بلدية كبرى: 6,500,000 دينار، مع ميني باص رسمي لتفقد الحفر اليومية.

رئيس مجلس إدارة شركة حكومية: 7,500,000 دينار، مع حضور حصري لتوقيع عقود لا تُنفذ.

عضو اتحاد رياضي أو نقابي: 2,500,000 دينار، مع فرصة التقاط الصور ورفع الشعارات.

عضو مجلس أمناء مؤسسة: 3,000,000 دينار، مع مقعد مريح وقرارات تُتخذ مسبقاً.


بهذا تصبح الدولة "مولاً سياسياً" مفتوحاً: كل منصب عليه بطاقة سعر، ومن يدفع يدخل سريعاً. الأموال المجمعة قد تصل إلى مليارات، ما يعني أن الموازنة ستنتعش أكثر من أي قرض خارجي، وسيتمكن الشعب من مشاهدة طرق جديدة ومستشفيات مُجددة، وإن بقيت مزدحمة.

الميزة السياسية أن اللعبة ستصبح مكشوفة: لا أحد يتحدث عن نزاهة أو صناديق اقتراع. الشعار سيكون مباشراً: "السلطة للبيع… من يدفع يحكم". المواطن سيتوقف عن تصديق الخطب وسيكتفي بالضحك وهو يرى البرلمان وقد تحول إلى "بازار شرقي": نائب يزاود، آخر يصرخ، وثالث يعد بالغياب عن كل الجلسات مقابل سعر أعلى.

حتى الأعيان سيُعرضون كباقات خاصة: اشترِ مقعدين واحصل على خصم على الثالث. أما الجامعات، فستصبح أسواقاً لتوزيع الشهادات الفخرية، بينما البلديات تعرض مناصبها كصفقات شاملة: رخص بناء، شوارع غير معبّدة، وتصاريح استثمارية بلمسة سحرية.

إنها دولة المزاد الكبير، حيث الفساد مقنّن والفاتورة تصب في الخزينة مباشرة. قد يبدو المشهد كوميدياً، لكنه في النهاية أوضح من المسرحيات الانتخابية القديمة. على الأقل نعرف "من دفع… يحكم"، بلا تمويه ولا شعارات.

باختصار: ادفع لتلعب، أو اجلس على الهامش واكتفِ بالتصفيق.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد