ادفعوا فاتورة الحرب… ثم اشكرونا

ادفعوا فاتورة الحرب… ثم اشكرونا

31-03-2026 11:39 AM

لم يعد الأمر مجرد طرحٍ مستفز أو تصريح عابر يمكن إدراجه ضمن سياق “الابتزاز السياسي” المعتاد؛ بل نحن أمام مستوى جديد يتجاوز الابتزاز ذاته، ليقترب من فرض إتاوة سياسية مغلّفة بلغة الشراكة. حين يخرج دونالد ترامب متحدثًا عن مساهمة دول عربية في تمويل حرب، فالسؤال لم يعد: هل هذا منطقي؟ بل: إلى أي مدى يمكن أن يُدفع هذا المنطق إلى الأمام؟
مرة أخرى، لا مفاجأة هنا. فهذه الحرب، كما بات واضحًا، ليست سوى انعكاس مباشر لحسابات ومصالح مشتركة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. لكنها، رغم ذلك، تُعرض على العرب وكأنها مشروعٌ إقليمي مشترك، يستوجب منهم فتح خزائنهم، لا للمساهمة في صنع القرار، بل فقط لدفع الفاتورة.
والفاتورة هنا ليست عادية. نحن لا نتحدث عن أرقام هامشية، بل عن تكاليف مرعبة، بمليارات الدولارات، تُهدر في حرب لا نهاية واضحة لها، ولا أفق سياسي يبرر استمرارها. في وقتٍ تعاني فيه اقتصادات عربية من ضغوط غير مسبوقة، وتحديات تنموية حقيقية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل المطلوب فعلاً هو تمويل الدمار بدلًا من بناء المستقبل؟
لكن الأسئلة الأكثر حساسية تكمن في مكانٍ آخر:
هل تملك الدول العربية المعنية القدرة الفعلية على رفض هذا الطلب الأمريكي؟
وإن رفضت، فما هي كلفة الرفض سياسيًا واقتصاديًا؟
وإن قبلت، فما الذي ستجنيه مقابل ذلك؟
هل ستُمنح دورًا في القرار؟ أم ستبقى مجرد “محفظة مالية” تُستدعى عند الحاجة؟
ثم السؤال الأخطر: هل سيتوقف دونالد ترامب عند هذا الحد؟ أم أن فتح هذا الباب سيغريه – ومن يأتي بعده – بالمطالبة بالمزيد، في كل أزمة جديدة، وكل حرب قادمة؟
إن قبول مثل هذا الطرح لا يعني فقط دفع كلفة حربٍ لا تعني العرب، بل يفتح الباب لتكريس سابقة خطيرة، يصبح فيها تمويل الصراعات الخارجية “واجبًا غير معلن”، يُفرض كلما دعت الحاجة. أما الرفض، فرغم كلفته المحتملة، فقد يكون الخطوة الأولى نحو إعادة رسم حدود العلاقة، على أساس الشراكة لا التبعية.
الأمر لا يتعلق فقط بالمال، بل بالكرامة السياسية، وبحق الدول في أن تختار أين تُنفق مواردها، وكيف تدير أولوياتها. فهل يُعقل أن تُستنزف هذه الموارد في حرب تزيد من عدم الاستقرار، وتعمّق الأزمات، وتنتج مزيدًا من المآسي الإنسانية؟
في المحصلة، لم تعد القضية مجرد طلب مساهمة، بل اختبار حقيقي لقدرة الدول العربية على قول “لا” عندما يجب أن تُقال. لأن البديل واضح: دفع اليوم… والدفع غدًا… وربما إلى أجلٍ غير مسمى.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد