مصائر سوريّة ؟

مصائر سوريّة ؟

04-08-2012 03:07 AM

 ليست مسألة الدين، وهي قائمة وجديّة طبعاً، أكثر ما تطرحه الثورات العربيّة من هموم وإشكالات. وتناول مسألة الدين هكذا، بذاتها، قد يوقعنا في نزعة جوهرانيّة تقوم على الإدانة المطلقة أو التمجيد المطلق.

هذا لا يلغي ضرورة الإلحاح في طلب الإصلاح الدينيّ، ومحاصرة استغلال الدين لتغطية سياسات ومصالح بعينها، والتنبيه من التطرّف الدينيّ والتوكيد على ضرورة مواجهته وصولاً إلى مجتمعات علمانيّة وأنظمة قانونيّة.
لكنْ يبقى أنّ المسألة التي قد تنفجر في سوريّة، وربّما في ليبيا، وإلى حدّ ما في مصر، هي العلاقات الأهليّة. فهذه تحتلّ موقعاً وأهميّة لن يحتلّهما الإسلام السياسيّ. أكثر من هذا، فإنّ جزءاً أساسيّاً من فعاليّة الأخير سينجم عن اصطباغه بالنزاع الأهليّ وتقاطعه مع هذا الولاء الجماعاتيّ أو ذاك.
 
لكنّ الذين يهوّلون بمسألة الدين هم أنفسهم الذين يحمّلون الثورة السوريّة مسؤوليّة انهيار النسيج الوطنيّ لبلدها، وهو ما بات الحديث عنه متواتراً ومتكاثراً في الآونة الأخيرة. فالثورة، وفق هذا التحليل، هي المسؤول عن الإسلام السياسيّ والمسؤول، في الوقت عينه، عن تصعيد العصبيّات على نحو يفضي إلى التقسيم. وهي المسؤولة عن كلّ ما هو سيّئ على سطح هذه المعمورة!
 
والتحليل هذا لتصدّع النسيج الوطنيّ يوقع أصحابه في تناقض منطقيّ مهول. فهم كأنّهم يقولون: إنّ الثورة هي التي كانت تحكم سوريّة وهي التي كانت تصنع علاقاتها وعقولها عقداً بعد عقد. وهذا من الواضح أنّه سخف بسخف.
 
بطبيعة الحال سيكون من الافتعال إنكار بعض التشنّج وبعض التعصّب في أوساط قطاعات من الثورة. وهذه المشاعر المناهضة للعلويّين وللمسيحيّين هي ما تستدعي المكافحة الدائمة والتصدّي المتواصل، شأنها شأن الأعمال المقزّزة التي تحصل بين وقت وآخر، وكان آخرها مقتلة آل برّي في حلب.
 
لكنّ أيّ توزيع عادل للمسؤوليّات عمّا قد يحلّ بالنسيج الوطنيّ السوريّ لا يستطيع أن يعفي الحكم البعثيّ من كونه المسؤول الأوّل.
 
فنحن، في سوريّة وفي سواها من بلدان المشرق، لم ننطلق، في احتكاكنا بالعالم المعاصر، من نسيج متماسك. لقد تسلّمتْنا الاستقلالات مِللاً ونِحلاً، حاول الاستعمار الغربيّ مرّة أن يقوّضها من خلال الدولة والإدارة اللتين أقامهما، كما حاول مرّةً أخرى أن يتعايش معها، بل يعيد إنتاجها.
 
ومنذ تسلّم الأنظمة العسكريّة والانقلابيّة السلطات، لا سيّما منها البعث الحاكم منذ 1963، لم يُفعَل أيّ شيء يلحم هذا التصدّع في النسيج الوطنيّ. ما فُعل هو النقيض التامّ من هذا.
 
فالبعث، لا الثورة عليه، هو الذي أقام حكماً طائفيّاً صريحاً، فيما كبت كلّ تعبير عن واقع طائفيّ صريح. والبعث، لا الثورة عليه، هو الذي عامل الأكراد السوريّين كما عوملوا، مستمرّاً في حرمان مئات آلافهم الجنسيّة. والبعث، لا الثورة عليه، هو الذي بنى المساجد، فساعد في تديين الحياة العامّة تغطيةً منه على الطابع العلويّ للسلطة وتعويضاً عن نهجه في استئصال الإخوان المسلمين.
 
وهذا غيض من فيض الهلهلة التي أنزلها البعث والعائلة الأسديّة بنسيج وطنيّ لم يكن في الأصل قويّاً.
 
إن «الآباء» هم الذين يتحمّلون المسؤوليّة عمّا يجري لعائلاتهم، لا «الأبناء». وحاكم سوريّة قدّم نفسه كأب وكإبن لأب أكبر وأوحد، فيما قدّم «الأبناء» وعاملَهم بوصفهم قاصرين أبديّين.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الملك والرئيس الأوكراني يبحثان سبل تعزيز العلاقات والتطورات في المنطقة

الحكومة: توصلنا لمراحل متقدمة في الغلق المالي لمشروع الناقل الوطني

فصل مبرمج للتيار الكهربائي عن مناطق بلواء الوسطية الاثنين

حسان: الأردن لم يكن منصة لأي هجوم على أي طرف

المركز الكاثوليكي: كنيسة القيامة تُغلق لأول مرة في التاريخ

نتنياهو : نحن ننتصر في هذه الحرب غزة وايران ولبنان لم يعودوا كما كانوا

رئيس الوزراء: اللجوء لوضع سقوف سعرية للسلع الأساسية

رئيس الوزراء: حماية استقرار الأردن أولوية قصوى رغم تداعيات الحرب

مجلس القضاء الأعلى مرآة التخبطات السلطة الحاكمة في العراق

أنقرة وورقة حماس: نفوذ إقليمي أم مقامرة مع واشنطن

الكويت: إصابة 10 من منتسبي القوات المسلحة

آل البيت تحتفي بذكرى معركة الكرامة بمحاضرة متميزة بمبادرة من أ.د.البري

ولي العهد يؤكد أهمية الإسراع في تطوير وتنظيم بيئة تشريعية داعمة للمشاريع الناشئة

بلدية الشونة تكثف جهودها في العمل الميداني خلال المنخفض

إسرائيل تقصف موقعا رئيسا لإنتاج مكونات صواريخ باليستية في طهران