الموت قهراً حكاية مثل

mainThumb

24-11-2022 03:33 PM

يحكى أن ثعلبا عاش في وكر في سفح جبل مجاور لقرية منعزلة. نبت في سفح الجبل و قمته أشجار البطم والخروب والسريس والرتم واشجار السدر الرابضة على الأرض أو ما يسمى بالعامية الربيظ!
احب الثعلب السريس والربيض ستارا يحميه من عيون الصيادين و كلاب القرية .اعتاد الثعلب السطو على دجاج القرية فيخطف دجاجة سمينة ويعود عدوا الى وكره...
وحل الشتاء بلياليه الطويلة شديدة البرد وعصفت الريح تعوي في سفوح الجبال تتصافق منها أغصان الشجر . وازداد الظلام والبرد معا . وكثرت كلاب الحراسة مرهفة السمع قوية حاسة الشم فضيقت الخناق على الثعلب ولم ينجح في التسلل الى القرية . كرر المحاولة مع ازدياد جوعه شدة فأخذ يتضور جوعا واخذ يبكي قائلا :" وين اروح وين أَلْقي " فجأة التمعت في ذهنه صورة صديق طفولته في زمان مضى . كان صديقة يقيم في مستنقع حيال أكمة من أشجار الكينا والطرفا في منخفض الاغوار. ومع هبوب نسمات الفجر الباردة انطلق في رحلته ، لقد لاقى من الأهوال التي تشيب لها رؤوس الابطال من ثعالب الجبال ، لم يسلك طرق المشاة الجبلية قفز من صخرة الى صخرة حتى أطل على روضة فيها بيوت شعر .... شاهد الحملان تتقافز امام البيوت ، واستمع الى ثغائها لكن اطربه صياح الديكة فاستبشر خيرا . سار الهوينى نحو المضارب يحدوه امل في ان يحظى بدجاجة قد خرجت عن السرب .... لكن ما ان حرك اذنيه نحو المضارب إلا وانتصب شعر رأسه خشية امر وشيك الوقوع ، في تلك اللحظة سمع نباح كلاب شديد تعدو نحوه، فانطلق يسابق الريح حتى انه من شدة الخوف رمى نفسه من فوق طور عال ٍ
فطاح ارضا . كاد الارتطام ان يكسر أضلاعه ، فأخذ يتلوى ألما :شاهد وهو يتلوى كلبين قد بدت نواجذهما الحادة واقفين فوق الطور ينبحان. استجمع قواه وأسرع الى عشب كثيف فغاب فيه ولم تعد الكلاب تراه .... جد في السير حتى اشرف على ديرة صديقه ... شاهد الأكمة فانطلق نحوها...وعندما وصل اول الاكمة المسيجة بسلك شوكي. اخذ يعوي مناديا صديقه!
هب صديقه ثعلب الغور ملبيا النداء ... وصل الى مكان صدور النداء فوجد ثعلبا نحيلا تعد اضلاعه من تحت فروته حالية الشعر. وقف ثعلب الغور حائرا سمينا بطيء الحركة لثقل بنيته بكرش ضخم بيضاوي الشكل مفلطح من الجانبين.
فقال له ثعلب الشفا: اما عرفتني انا ابن عمك
انفرجت أسارير ثعلب الغور قائلا: مرحبا بك يا بن العم !
ورفع السلك الشائك واقتاده الى ظل شجرة وجلسا يتجاذبان اطراف الحديث : قدم ثعلب الغور ضفدعا سمينا قرىً للضيف.
بعد تناول الطعام، قال ثعلب الشفا :" لقد أُغْلِقت سبل العيش في وجهي وسُدَت المسالك امامي مع ازدياد البرد القارس في الجبل فقررت ان ازورك لعلي اجد في حماك مأوى أقيم فيه حتى يأتي الصيف."
قال ثعلب الغور: "على الرحب والسعة ، ساعة مباركة التي قدمت فيها ، الحمد لله الخير كثير والضفادع كثيرة ."

.و عند عصر ذاك اليوم : سمعا لجة نقيق الضفادع فانطلق الثعلبان يصطادان الضفادع

كان ثعلب الجبل رشيقا خفيف الحركة فسار الهوينى كي لا يسبق المعزب، فقد كان ثعلب الغور ذا كرش ثقيل لكثرة الضفادع التي التهما مع ماء مخلل الفلفل الحار . وعند الوصول الى البركة الرئيسة قريبا من منبع مسيل الماء قفز ثعلب الجبل في الماء فتلاه المعزب ، واخذا يسبحان يبحثان عن الضفادع ، شاهدا علجوما فأخذا يهتفان:" ضفدع... ضفدع ضفدعين ... نصفك في الماء ونصفك في الطين" اصطادا كمية وافرة وعادا أدراجهما نحو وكر الثعلب المضيف .
أمضى ثعلب الشفا الشتاء في كنف ابن عمه ثعلب الغور!
وجاء أيار بشمسه اللافحة فارتفعت درجات الحرارة وتكاثرت البراغيث والشعران في وكر الثعلب المضيف ! لم يحتمل ثعلب الشفا درجات الحرارة فقال لابن عمه : انا سأعود غدا الى ديرتي العذية ، وانأ ادعوك ان تأتي وتقيم معي هناك على الرحب والسعة : هناك نسمات عليلة ودرجات الحرارة معتدلة و القثاء والبطيخ بكميات كبيرة ، سنتعاون معا على التغلب على كل معضلة تواجهنا فنحن بني ثعلب يجب ان نكون يدا واحدة في مواجهة عوادي الزمن!
كان صيف ذاك العام شديد الحرارة فتكاثرت هوام الأرض والبرغش والناموس فقرر ثعلب الغور الرحيل وقصد ديار ابن عمه .
عندما صعد الطريق على سفح الجبل واجه صعوبة بالغة لثقل كرشة فاخذ يتنفس بصعوبة ويجلس يستريح قليلا. وبعد جهد جهيد وصل الى وكر ابن عمه في الشفا. كان الوكر في اعلى صخرة شاهقة وكان من الصعب على ثعلب الغور الصعود اليها فاضطرا الى تغير الوكر فسكنا في وكر ضبع مهجور!
وعند الغداء اصطادا حرذونا وسلحفاة كان لحم الحرذون صعب الهضم . وقبيل الغروب عندما مالت الشمس للمغيب، قال ثعلب الشفا لثعلب الغور:" نحن تغدينا وجبة دسمة فلا بد من تحلية بعدها ، وفي السهل الذي تراه غربي تلك القرية يوجد مقثاة ، دعنا نذهب الى هناك علنا نحصل على بطيخة" ! فالبطيخ في ذاك السهل مرّمل حلو المذاق.... هيا بنا"
انطلقا يتلبدان بين العشب الجاف العالي ولما اقتربا من المقثاة شهدا كلبتي حراسة : سوداء وبيضاء
فقال ثعلب الغور: انا أرى حرسا !
فقال الثعلب الثاني : سندحل من تحت السياج فلا يستطيعان اكتشافنا! أيضا أنا معي تصريح لدخول المقثاة
أطمئن ثعلب الغور عند معرفته ان تصريحاً بحوزة ابن عمه
تسلل الثعلبان من تحت السياج! كان ثعلب الشفا رشيقا قد اعتاد على القفز من صخرة الى صخرة!
اخذ الثعلبان يبحثان عن ثمرة بطيخ ناضجة، لكن الكلبين انتبها فهبا ينبحان ويجريان نحوهما قفز ثعلب الشفا مسرعا بينما كان ثعلب الغور السمين يهز نفسه فلا يتحرك من مكانه لثقله فصاح قائلا : "اعطهم التصريح اعطهم التصريح، اعطهم التصريح "!صاح به ثعلب الشفا: "مد إيدك مدها ان كانت السودا مثل البيضا فهذه دولة ما تقرا خط"!
لم يستطع ثعلب الغور ان يلحق بثعلب الشفا فحاصره الكلبان وضيقا عليه الخناق حتى حضرت العجوز أم كامل صاحبة المقثاة فشدت وثاق الثعلب واقتادته الى بيتها ، كان في حوش البيت الواسع شجرة بطم معمّرة وارفة الظلال. فدقت العجوز وتدا في زاوية سور الحديقة وربطت الثعلب بالوتد ... وفي ظلال شجرة البطم ربطت " عتقية" سمينة وزودتها بالماء والعلف!
سال لعاب الثعلب عندما شاهد الدجاجة مربوطة قريبا منه لكن ليس بوسعه ان يطولها ، فذاب حسرة وكمدا واشتد به الغيظ ومما زاد غيظ نفسه ومرارتها عندما جلست العجوز ضحى تستمع الى اغنية : يا غزيّل على النهر طق ومات من القهر.
كان الثعلب يحاول الإفلات من قيوده لكن العجوز قد شدت وثاقه ... فطق ومات قهرا
وذهبت الحكاية مثلا يقال لمن يريد الحصول على شيء ويعجز عن ذلك :" والله مصيرك مصير سالول ام كامل! أٍ تطق وتموت من القهر!"