إرث الإمبراطوريات لا يتلاشى
30-07-2023 08:36 AM
لا يوجد في التاريخ كله إمبراطورية قامت ولم تسقط، فهي جميعاً تقوم وتتصاعد قوة ونفوذاً ثم تضعف وتضمحل وتسقط أو تتساقط ثم تتلاشى، ولكن إرثها الإمبراطوري لا يتلاشى مثلها، بل يتحوّل إلى ملهمٍ دائمٍ وأوهامٍ متحكمة وربما خطيرة تتشكل في الوجدان الجمعي للأمم والشعوب التي تمثلها، وتتشكل تلك الأوهام والأحلام عبر قومياتٍ أو آيديولوجيات وخطاباتٍ يراد لها التماسك والتأثير وتبني جميعاً على منظوماتٍ من الأفكار والمفاهيم وربما الأحزاب والجماعات التي تبقيها حاضرة في الذهن تحوّلها إلى مشاريع وبرامج عملية، فمستقلٌ ومستكثرٌ.
تتوجه هذه الآيديولوجيات والمنظومات إلى خلق «نوستالجيا» متمكنة وجدانياً وثقافياً وسياسياً وتعتمد على خطابٍ هوياتي عميقٍ تتوارثه الأجيال لمواجهة التحديات وتستخدمه القيادات للتأثير في الحاضر والمستقبل.
عرفت العصور القديمة الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية وغيرهما الكثير، وشهدت العصور الوسيطة الإمبراطورية الإسلامية باسم «الخلافة» على اختلاف مراحلها، وعرفت العصور الحديثة الإمبراطوريات الروسية والبريطانية والفرنسية، وأميركا لدى عدد من المؤرخين تعد الإمبراطورية الأقوى في التاريخ.
الإمبراطورية الروسية القيصرية سقطت، ولكن إرثها الإمبراطوري استمر في ثنايا «الشيوعية» في إمبراطورية «الاتحاد السوفياتي» ثم عاد صريحاً مع الدولة الروسية المعاصرة وخطابها القومي والوعي الذي يعبّر عنه الرئيس بوتين في كلماته المطوّلة التي يتناول فيها التاريخ بتفصيل.
الإمبراطورية الفارسية انتهت قديماً، ولكن إرثها يتناقل في إيران، في الدولة الصفوية والقاجارية والبهلوية وتجلى بقوة بعد «الثورة الإسلامية». والإمبراطورية العثمانية سقطت على يد كمال أتاتورك في تركيا، ولكن إرثها تجلى في خطابات وأحزاب عند نجم الدين أربكان وتلاميذه وأفصحت عن نفسها مع إردوغان، وإرث هاتين الإمبراطوريتين يعني القارئ العربي كثيراً لأنها تعمل في منطقتنا وتتقاطع سياساتها وطموحاتها واستراتيجياتها مع دولنا وشعوبنا.
هذا السياق دعوة للتأمل والتفكير وليس له غرض في أي أحكام معيارية أو أخلاقية، بل هو قراءة في الخلفيات العميقة للواقع المعيش سياسياً واجتماعياً وثقافياً بما يمنح المتابع للأحدث والصراعات الإقليمية والدولية رؤية أفضل للدوافع والمؤثرات التي لا تظهرها الأرقام ولا الإحصاءات، ولكنها تكمن خلف ذلك كله، وتأثيرها أقدم وأعمق.
الإمبراطورية الإسلامية عبّرت عنها قرونٌ من «الخلافة الإسلامية» الراشدة والأموية والعباسية والعثمانية، وهي إمبراطورية كبرى وقد سقطت جميعها على مراحل تاريخية متفاوتة، ولكن إرثها الإمبراطوري ما زال موجوداً، وقد تحوّل لأوهامٍ في تصوّر التاريخ وسلسلة من الأوهام لاستعادته، وتجلت تلك الأوهام في آيديولوجيات وجماعات وتنظيماتٍ عرفت بجماعات الإسلام السياسي وهي بنت منظوماتٍ فكرية ومفاهيمية وثقافية واسعة ومتشعبة لإعادة تلك الخلافة وفق نموذج خاص عملت عليه هذه الجماعات.
وقد انتشرت هذه الجماعات في الدول العربية الوارثة لأمجاد الخلافة الإسلامية وفي تركيا الوارثة للخلافة العثمانية، وشيء من ذلك تسرّب لإيران (الثورة الإسلامية) بعدما تبنّت سياسات ما سمّاه المفكر المغربي عبد الله العروبي «تسنين التشيّع» في تفاصيل طويلة ومهمة، ومن الطبيعي أن يوجد مثل هذا الإرث الإمبراطوري على تنوعه في هذه الأماكن.
الأمثلة توضح شيئاً من هذا السياق، وباكستان وماليزيا على سبيل المثال دولتان مسلمتان، ولكن ليس لهما إرث إمبراطوري خاص، ولهذا فالخطاب الإمبراطوري لديهما مستجلب من أوهام استعادة الخلافة الإسلامية، فخطاب أبو الأعلى المودودي الإمبراطوري لجأ للأمة والخلافة الإسلامية لأنه هو شخصياً قادمٌ لباكستان من الهند، والهند لها سياقٌ حضاري مختلفٌ تماماً عن طرحه وفكره، والأمر نفسه مع مهاتير محمد في ماليزيا الذي استجلب خطاباً إمبراطورياً ليس له ولا لبلاده، ولكنه أخذه من دولٍ أخرى واستورده وعمل عليه.
يصح هذا حتى في الإمبراطوريات الحديثة، فتجد دائماً بقايا تعبر عن هذا الإرث الإمبراطوري في الفكر والتاريخ كما في السياسة والثقافة، والإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس انتهت، ولكن إرثها لم ينتهِ، وما دول «الكومنولث» إلا تشبث بها من نوع خاص ضمن سياقات أخرى تعبر عن المعنى نفسه، والإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية انتهت، ولكن فرنسا ما زلت تتشبث بالمنظمة «الفرانكفونية» حتى لا ينطفئ ذلك الإرث، و«الكومنولث» البريطاني و«الفرانكفونية» الفرنسية تضم كل واحدة منهما عشرات الدول المنتشرة حول العالم.
هذه الخلفيات التاريخية العميقة تمنح الباحث قدرة على قراءة بعض السياسات والاستراتيجيات للدول المعاصرة، كما تمنح قدرة على فهم الدوافع التي تجعل بعض القيادات وبعض الدول تنفق المليارات وتدعم الجماعات أو الأحزاب أو تنشئها من العدم وتستبع الآلاف المؤلفة من البشر بالآيديولوجيات والخطابات والشعارات في مشاريع إقليمية ودولية لاستعادة شيء من ذلك الإرث وإحيائه والبناء عليه وبمثل هذا الإرث تدير صراعات الحاضر وتبني توسعات المستقبل.
التفاهمات والاتفاقات السياسية تحكم الدول والتزاماتها الحالية، ولكنها لا تلغي أي إرثٍ أو تاريخٍ يتمّ استحضاره والبناء عليه أو الترويج له، وقد شهدت العقود القليلة الماضية صراعاتٍ كبرى في منطقتنا بين مشاريع ثلاثة كبرى؛ هي المشروع الطائفي والمشروع الأصولي ومشروع الاعتدال العربي، وبسبب قوة التدافع تنازلت بعض الدول والجماعات عن مشاريعها المباشرة وخططها العملية وسياساتها المعروفة، واضطرت للتعامل مع واقع جديد فرضت قوة الأطراف الأخرى وتوازنات القوى إقليمياً ودولياً، ولكن الإرث سيبقى موجوداً على الدوام، والوعي به مهمٌّ في الحاضر والمستقبل.
في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، استغرب العالم جميعاً من الإعلان عن محاولة انقلابية في ألمانيا، فيها تنظيمٌ خطط لإسقاط النظام والحكومة والاستيلاء على المؤسسات الدستورية ولديه آيديولوجيا صارمة وسلاح ومستعد لارتكاب الجرائم لتحقيق المشروع، ويقوده أمير ومساعدون في قطاعات مختلفة، والمفارقة في هذا الخبر العجيب هي التي تؤكد هذا السياق وأن بعض الإرث الإمبراطوري الحقيقي أو المتوهم قادرٌ، على الدوام، على التعبير عن نفسه بأشكال متعددة وطرائق مختلفة، وهي لا تبقى دائماً في عالم الأفكار فحسب، بل تتجلَّى أحياناً على الواقع وتؤثر فيه.
أخيراً، فقد كتب الشاعر الألماني غوته يوماً قائلاً: «الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة، يبقى في العتمة».
بيان للجيش يكشف ما حدث في سماء الأردن .. وكاميرا السوسنة توثق الصواريخ
إيران تستهدف مدناً أردنية بموجة صاروخية غير مسبوقة .. فيديو
نتائج مباريات الثلاثاء في دوري أبطال أوروبا
أمريكا: ضرباتنا على أهداف إيرانية لا تزال مستمرة
إربد تحت موجة صاروخية إيرانية غير مسبوقة .. مشاهد توثق ما حدث
تفاصيل الهجوم الصاروخي الأميركي على ناقلة نفط إيرانية
إجراء فحوصات سيبرانية دقيقة على تطبيق سند
ما هي دلالات اجادة القراءة والكتابة
تلامس 100 دولار .. الهجمات الحوثية على السعودية ترفع أسعار النفط
اختتام فعاليات مهرجان الزرقاء للثقافة والفنون
إيران تستولي على غواصة أمريكية وتدعو لإخلاء ناقلات بموانئ الكويت والبحرين
ردا على سعادة النائب السابق طارق خورى
نتائج اختبارات PISA 2025 من الاحتفالية إلى الحقائق
إلى الأردنيين .. هذه الهواتف سترتفع أسعارها بزيادة قد تصل إلى 240 ديناراً
تحذير للأردنيين بشأن مندوبي التعداد السكاني .. لا تعطوا بياناتكم قبل هذه الخطوة
إربد تحت موجة صاروخية إيرانية غير مسبوقة .. مشاهد توثق ما حدث
فاجعة أطفال الزرقاء تفتح ملف المراوح .. علامات خطرة لا تتجاهلها
من هو اللواء مجدي الحراسيس رئيس هيئة الأركان الجديد ؟
إلى الأردنيين .. تحذير مهم من البحث الجنائي
تفاصيل وفاة الطفل إلياس داخل حافلة مغلقة على لسان والده
مهم لغير الأردنيين بشأن الاستفادة من الخدمات الحكومية عبر سند
من المفرق إلى إربد .. والد أسامة يكشف تفاصيل جديدة حول مقتله
تفاصيل جديدة حول حادث سيناء المروع الذي قضى به 10 أردنيين .. صور
مجلس الوزراء يقر حزمة قرارات تشمل التعليم والطاقة والطفولة والجامعات
بالفيديو .. بلدة أيرلندية تحمل «حجر الأردن» في اسمها منذ 800 عام .. ما قصتها؟
الملك يكرم شخصيات بارزة في مركز التميز
حق تجهله فتيات في الأردن .. هل يجوز اشتراط عدم زواج الزوج بأخرى؟