أرضنا التي تعاتبنا


الكاتب : عبدالله علي العسولي
على سفوح ارضي المتعبة وعلى بقايا شجيرات زيتونها المنهك.. ناطحت تلك الشجيرات صخور دكتها حرارة صيف. فنخرتها ،وعلى بقايا شتول استبد وآثر البقاء- فبقيت أوراقه مخضرة.
هذه الشجيرات عاندت منشار أبى حامله  إلا أن يهدم تاريخها المشرق ويقسو على حضارة آباء وأجداد بتقطيع شجرهم الذي زرعوه على تلك التلة التي اعتلاها غبار سنين وأتربة رياح مسخت جمالها الفاتن فتشابكت معالمها واختلت تضاريسها المرسومة...
 
هناك على تلك الأرض الخالدة تساقطت حبات مطر اعتادت أن تهطل في اكف دعاة سكنوا تلك الأرض وتمسكوا بها بخرابيش بيوتهم  رفعوا أيديهم إلى رب السماء يطلبوا منه الخير والغيث والبركة -  فأعطاهم الله لطيب نواياهم وصدق دعواتهم ..علموا أن الله فقط هو الرزاق فاستغفروه وطلبوا منه الرزق وأيقنوا أن الإجابة لا تكن إلا من الكريم.
 
 واليوم .. تتساقط قليل من الأمطار على آثار أناس ودعوا الأرض وقصدوا آخرتهم فجفت الأمطار مطارحهم التي باركها صفاء نواياهم ..حبات مطر اشتاقت لهم فلم تجدهم بحثت عنهم فقالت في نفسها هنا كان المستغفرون - هنا زرعوا وهنا سكنوا..هنا صلوا وهنا كتبت جباههم على حبات الأرض أنشودة الإخلاص و الوفاء ..لم تجدهم حبات المطر التي سالت حزنا على أطلالهم كانوا يزعون الأرض فتنبت لهم ما يزرعون-- واليوم تنبت شتّولا وشوكا وأعشابا ،
 
بحث عنهم طائر القبّر الذي كان يجاورهم والذي كان يقتات من فتات موائدهم فيُنشد نشيدا يطرب السامعين ويبني عشه قريبا من اُنسهم... يمازحهم طائر القبّر فتارة يطير أمامهم وتارة بجانبهم يمازحهم تكاد أن تمسكه بيدك لقربه منك  ...هام طائر القبّر على وجهه حزينا فلم يعد إلى ذلك المكان الذي جفاه أحبابه 
 
كان حارس بيت الشعر ذلك الكلب الأليف الذي تربى على الوفاء فيعرفهم جميعا ويخاطبهم بلغته الاليفة، يستأنس بهم وهم حوله يحرسهم بصدق فلا خانهم يوما ولم تعتد عيناه على النوم إخلاصا لهم ..فقدهم فبحث عنهم ليالي وأياما فلم يجدهم ...انتظرهم كثيرا  وعندما استيأس ترك مهجعه وهام إلى ارض الله الواسعة وعيناه تذرف دمعا.
 
حبات المطر التي تناثرت على تلك الأرض انبتت حشائش شتى نبتت عنوة عندما غاب الزارعين.
 
واليوم تنادينا الأرض أن نصطلح معها نعانقها لتعانقنا من جديد --تناشدنا العودة أليها ..تطلب منا الأنس لتعطينا من خيراتها وأحسن ما لديها .
 
على جنبات هذه الأرض كانت آثار أقدام من سكنوها تقودنا الى اماكن مشيهم وجلوسهم وسكنهم واليوم قاحلة موحشة تاهت كل معالمها ..فلم يبقى منها إلا الاسم الذي كانوا يحفظونه وينادونها به. 
حزنت أرضنا وتبادلت الدمع مع أمطار السماء فهي مريضة مريضة مريضه فهي تنتظر من يسعفها و يسعدها