أليساندرو يخطب بالعربية

أليساندرو يخطب بالعربية

25-05-2025 03:26 AM

وقفَ الشَّابُّ الإيطالي على المنصة أمامَ مكبر الصَّوت. ألقى خطاباً ترحيبياً باللغة العربية جديراً بحسدِ أفضل الخطباء. لم يخطئْ في كلمة. لم يتلكَّأْ في جملة. لم يحرّف خاءً أو ضاداً أو عيناً. نطقها كلَّها كمَا يَجِبُ. وكانتْ قلوبُ المستمعين من الروائيين والشعراء والأكاديميين تنبضُ فرحاً.

أليساندرو فوتيا طالب في سنتِه الرابعةِ في الجامعة الكاثوليكية في ميلانو. والمناسبةُ هي الحفلُ الموسيقي الذي أقيم ضمنَ مهرجان اللغة والثقافة العربية. إنَّها الدورةُ الثامنةُ من هذا الملتقى الذي تساهم في استمراره «هيئةُ الشارقة للكتاب». وموضوعُ الدورةِ «اللسان المهاجر».

دُعيتُ لندوةٍ عنوانُها «الإقامةُ في لغةِ الآخر». وجدتُ هذا الطالبَ يستقبلني في المطار ويقدّم نفسَه لي باسم إسكندر. أدهشني حديثُه السَّلِسُ بالعربيَّةِ الفُصحَى وزادَ من دهشتي سؤالُه عن اللهجات التي أفهمها. ففي لغتِنا مروحةٌ واسعةٌ من عشرات اللهجاتِ المحكيَّةِ، من طنجةَ إلى حضرَموتَ. اكتشفتُ أنَّ الشَّابَّ الإيطاليَّ النَّابهَ يجيدُ التَّمييزَ بينَ اللهجةِ المصريَّةِ وبينَ الشاميَّةِ، ويستطيعُ التحادثَ بهما.

لن أتحدَّثَ هنا عن فرقةِ الكورال بقيادةِ هاني جرجي التي نقلتنا في مُركَّبٍ عذبٍ ما بين فيروزَ ومنير بشير وعمر خيرت وفريد الأطرش وشادية و«إن راح منك يا عين... هيروح من قلبي فين». تلك حكايةٌ تحتاجُ وقفة خاصة. لكن من الواجب تقديم التحية للمشرفين على معهد الثقافة واللغة العربية في ميلانو. يقوده الدكتور وائل فاروق. ما الذي جاء بهذا الشابِ المصري المسلم للتدريس في جامعة كاثوليكية تعلق الصلبان في قاعاتها؟

الجواب نقرأه فيما كتبه فاروق مؤخراً بمناسبة رحيلِ صديقه وأستاذه العلامة كريستيان فان نسبن. وهو راهب هولندي درس الفلسفة َالإسلامية في جامعة عين شمس قبل نصف قرن وقدَّم أطروحةَ دكتوراه في السوربون حول «مفهوم سننِ الله في تفسير القرآن الكريم». كانَ صديقاً مقرباً لعدد من أساتذة الأزهر، يدخل بيوتَهم ويأكلون على مائدته. كانَ يتقاسم مرتَّبَه مع عدد من الأسر المتعففة.

كانَ الهولنديُّ كريستيان فان نسبن العضوَ الأجنبيَّ الوحيدَ في الجمعيةِ الفلسفيّة المصريّة، وفي المجلسِ الأعلى للثقافة. وعندما دُعي، عام 2002، للتَّدريس في السوربون، طَلبَ من زميلِه المصري أن يحلَّ مكانَه في الكُليَّةِ القبطية الكاثوليكية للعلوم الدينية. ومن هناك انتقل البروفسور وائل فاروق إلى ميلانو وجامعة القلب الأقدس.

لم يكن أليساندرو وحدَه من شارك في الغناءِ ونشر في يوميات المؤتمر بهجة إضافية. كانَ بصحبة فريق من زملائه طلاب العربية وطالباتها. شابات وشبان كالورد، تطوَّعوا لمرافقة الضيوف والترجمة لهم وتسهيل تنقلاتهم في أروقة تاريخية لصرح عريق شيَّده مهندسٌ شهير قبل قرون. مبانٍ وحدائق يتنفس التاريخ في حجارة مبانيها، تردَّدت في قاعتها الكبرى قبل أيام أصوات تنشد: «طلعَ البدرُ علينا». متحف مفتوح تسمع فيه زقزقةَ اختلاط العربيةِ بالإيطالية. كم يبدو العالمُ مختلفاً حين يتفاهمُ ويَشْطُبُ التَّطرُّفَ من قاموسِه.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

نقيب أصحاب المعاصر يكشف عن سعر تنكة زيت الزيتون للموسم المقبل

بالصور .. أردنيون يعبرون عن استيائهم: أوقفوا المجزرة .. ما القصة

تفاصيل وفاة طالب اليرموك الإندونيسي .. قطار يجر سيارته مئات الأمتار

للمرة الرابعة في 2026 .. ارتفاع مرتقب على أسعار السجائر

إصابة 9 طلبة إثر انقلاب حافلة مدرسية في لواء بني كنانة

16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي

حادث مروع على شارع البترا بإربد .. فيديو وصور

مسيّرة حوثية باتجاه مكة .. الدفاعات السعودية تعترضها وتدمرها

عرض مغرٍ انتهى بخسارة أمواله .. قصة احتيال تحولت إلى كابوس .. تحذير أمني

الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط

مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل

بالفيديو .. سرقة عجل من مركبة في الحصن

قصتان صادمتان تعيدان ملف حقوق الرجل بعد الطلاق إلى الواجهة في الأردن

كاميرات جديدة في إربد .. رصد مخالفات الإشارة آليا

هروب الذكاء الاصطناعي يثير الذعر .. أنظمة تخرج عن السيطرة واجتماع أممي لاحتواء الخطر