معضلة عائلية للكاتبة الامريكية كارسن مك كلرز

mainThumb

24-11-2022 12:33 AM

في يوم الخميس غادر "مارتن ميدوز" المكتب بوقت مبكر يتيح له أخذ الباص السريع في العودة الى البيت! غادر في المساء في الوقت الذي يتلاشى فيه الشفق من الشوارع الموحلة ومع مغادرة الباص محطة وسط البلد خيم الليل بأنواره المتلألئة على المدينة. تذكر مارتن أن الشغالة تداوم كل خميس نصف يوم. وشعر مارتن برغبة في ان يصل البيت بأسرع وقت ممكن. فلنصف سنة مضت عانت زوجته من الادمان. وفي هذا الخميس كان مارتن منهك القوى جدا وتمنى الا يزعجه بمحادثة احد من الذين يسافرون في الحافلات الى أعمالهم ويعودون الى بيوتهم كل يوم . سلّط انتباهه على الصحيفة حتى تجاوز الباص جسر جورج واشنطن! وعندما سار الباص في طريق رقم 9 أدرك مارتن انه قد قطع نصف المسافة الى البيت ، فتنفس عميقا حتى في الطقس البارد عندما تراقصت اشرطة قماش جافة في الهواء المثقل بالدخان داخل الباص، تنفس واثقا انه كان يتنفس هواء ريفيا. وكان من المعتاد عند تلك النقطة ان يسترخي مارتن مفكرا بسرور في بيته . لكن في السنة الماضية تلك كان يوّلِد لديه اقترابه من البيت توترا. في هذا المساء أبقى وجهه قريبا من النافذة وشاهد الحقول الجافة وانوار البلدات المنعزلة المتناثرة على طول الطريق. كان القمر مشرقا باهت اللون على الأرض المعتمة والثلج المسامي الذي تراكم مؤخرا والاخذ في الذوبان! شعر مارتن في ذلك المساء ان الريف قفر واسع . تناول قبعته من الرف وضع جريدته المطوية في جيب معطفه قبل دقائق من شده حبل جرس تنبيه السائق كي يوقف الباص لنزول راكب.
كان الكوخ الذي يسكنه تفصله حارة واحدة عن موقف الباص قريبا قليلا من النهر . ويمكن مشاهدة خليج هدسون من نافذة غرفة المعيشة ، فالكوخ شديد البياض أقيم حديثا في ساحة أرضها ضيقة . في الصيف بدى العشب في الحديقة ناعما زاهيا و اعتنى مارتن بأحواض الازهار التي كانت في غالبها ناصعة البياض جديدة على ارض الساحة الضيقة وأقام عريشا هناك . لكن في الأشهر الباردة الخالية من الزراعة ، بدى الكوخ في ارض قفر. في تلك الليلة كانت الانوار مضاءة في البيت الصغير فأسرع مارتن الى الممر الامامي وقبل ان يصل الدرج توقف ليزيح عربة من الطريق.
كان الطفلان في غرفة المعيشة لاهين في اللعب فلم يدرك احد منهما ان الباب قد فتح . وقف مارتن ناظرا الى طفليه الصغيرين الآمنين الرائعين الناضرة وجوهما. لقد فتحا الجارور الأسفل من الخزانة ذات الأدراج المتعددة واخرجا زينة عيد الميلاد فقد استطاع آندي ان يوصل بالقابس انوار شجرة عيد الميلاد فتوهجت الانوار الخضراء والحمراء والصفراء في غير موعد عيد الميلاد وانعكست الاشعة على سجادة غرفة المعيشة في تلك اللحظة كان مارتن يحاول تتبع الكيبل اللامع فوق حصان ماريانا الهزاز . كانت مريانا جالسة على الأرض تجذب اجنحة دمية ملاك . وعند مشاهدتهما مارتن صرخ الطفلان مرحبين به فرفع الطفلة الصغيرة على كتفه ورمى آندي نفسه على رجلي والده . صرخ الأطفال دادي! دادي! دادي!
اجلس مارتن الطفلة الصغيرة ومَرْجَح مارتن بيديه الطفلة الصغيرة السمينة كالبندول مرات عديدة . ثم التقط كيبل شجرة عيد الميلاد .
سأل:" ما ذا تفعل كل هذه الأشياء خارج الدُرْج ؟ هيا، ساعداني في إعادتها الى الدرج .يجب الا تعبثا بمقبس الكهرباء .تذكرا اني قد حذرتكما سباقا –اعنيك انت يا آندي "
هز الطفل ابن الستة أعوام راسه بالإيجاب وأغلقت الجوارير.
مسح مارتن بيده على شعر الطفل الأشقر الناعم ومرر يده بلطف على مؤخرة عنقه الطرية!
" أتعشيتما قَرْع؟" سأل مارتن
أجاب آندي القرع لاذع ، لقد كان التوست حارا لاذعا"
تعثرت الطفلة الصغيرة على السجادة .و بعد مفاجئة الوقوع الأولى اخذت تبكي, فضمها مارتن بذراعيه وحملها الى المطبخ
احضر اندي التوست قائلا :" انظر يا دادي فالتوست__"
كانت ايملي قد وضعت عشاء الأطفال على طاولة البورسلان المكشوفة وكان هناك طبقان فيهما بقايا من كريمة البر والبيض واكواب فيها حليب وطبق واسع فيه توست بالقرفة لم يلمسه احد سوى قطعة واحدة منها فيها اثار قضم ! اشتم مارتن قطعة التوست المقضومة بحذر ثم رماها في سلة المهملات.
عندما قضم الطفلان قطع التوست أخذا يصرخان :" اخ اخ ما هذا؟ ؟
لقد استعملت ايملي عبوة الشطة الحمراء ظنا منها انها عبوة القرفة فقطع التوست قد غطيت بشذرات الشطة الحارة قال اندي :احب ان يُلْذَع فمي وشرب الماء وجرى يعدو خارجا من الباب ..لكن ماريانا لم تأكل أي شيء منها.
وقف مارتن بلا حراك مرتكيا على الحائط، وقد اسقط في يده واخذ يطوف بعينيه نواحي المطبخ " ثم سأل مترددا :" اين أمّكما الان؟"
قالوا هي في غرفتكما في الأعلى ,
ترك مارتن الطفلين في المطبخ وصعد الى الغرفة حيث زوجته . وعند الباب توقف للحظات كي يهدئ من غضبه ولم يطرق الباب وحال دخوله قَفَلَ البابَ وراءه .
كانت ايملي جالسة في الكرسي الهزاز في الغرفة الجميلة تشرب شيئا في قدح وعندما دخل زوجها وضعت القدح سريعا على الأرض خلف الكرسي وبدت مضطربة شاعرة بالذنب لكنها حاولت تغطية ذلك فهشت وبشت !
قالت : مرحبا يا مارتين عدت! يا مرحبا! وتهادت نحوه تقبله - كانت قبلة حارة مفعمة برائحة الخمرة.
وعندما لم يتجاوب معها تراجعت الى الخلف تقهقه بعصبية
وقالت له :" ما ذا داهاك فأنت واقف كعمود
بعيدا عني ، هل حدث لك شيء؟ "
سأل مارتن مستهجنا:" أنا عندي شيء غلط؟" وانحنى فوق الكرسي الهزاز ورفع القدح عن الأرض قالت ايملي بصوت كاذب متكلف اعتاد عليه زوجها: "لو تدري كم انا مريضة و ما مدى الانعكاس ذلك السيء علينا جميعا" قالت بلكنة انجليزية مقلدة ممثلة إنجليزية معجبة بها .
" انا ليس لدي اية فكرة عما تقصد . الا إذا كنت تقصد القدح -قليل من خمرة الشري فقد تناولت مقدار اصبع او اصبعين ،لكن ما الجريمة في ذلك ؟ ارجوك قل لي هل انا مخطئة تماما ... تماما!"
وحرصت على ان تدخل الحمام بخطى ثابتة دون ترنح ولا ارتجافٍ فتحت الماء البارد و وغرفت بكفيها قليلا من الماء ووضعته على وجهها ثم جففت نفسها بطرف منشفة وبدت معالم وجها تنبض حيوية غير ملطخة!

,قالت: "انا كنت نازلة الى المطبخ كي احضر الطعام"
لكنها ترنحت فوازنت نفسها بإمساك اطار الباب
"انا سأعتني بالطعام ،انت ابق هنا سأحضر الطعام الى هنا ".
قال مارتن :"انا لن أفعل ذلك ابدا انا لم اسمع شيئا ، أرجوك "
قالت انا نازلة الى المطبخ كي أُحضّر الطعتم وتمايلت نحو الباب لكن مارتن اسرع وامسك ذراعها قائلا :" لا تنزلي فانا لا احب ان يراك الطفلان وانت في هذه الحالة، اعقلي!"
نزعت ايملي ذراعها بعصبية قائلة :" طير"! بصوت مرتفع غاضب، :" لماذا كل هذا أَلِأَني رشفت قطرتي شيري جعلتني سكيرة , وحتى انا لا ألمس الويسكي كما تعرف جيدا ، وانا لا اذهب الى البارات و أنت كثيرا ما تقول هذا فانا لا اشرب الكوكتيل عند وقت الغداء لكني احيانا اشرب كأس شري وانا أسألك ما العيب في ذلك؟ "
بحث مارتن عن الكلمات لتهدئة زوجته فقال " اذن سنتناول الطعام هنا ايتها الفتاة الطيبة " ،وجلست ايملي على جانب السرير وفتح مارتن الباب وخرج مسرعا.
!
قائلا :" سأعود في لحظة!"
وبينما كان منشغلا في تحضير الطعام في المطبخ في الطابق الأرضي راوده سؤال : " كيف يحل هذه المشكلة التي خيمت على البيت؟"
فهو نفسه يشرب دائما ! فعندما كانا يعيشان في _ألاباما _ كانا يتعاطيان المشروبات والكوكتيل بانتظام. و لسينين عديدة كانا يشربان مرة او مرتين قبل الوجبة الرئيسة وعند النوم -شراب قبل النوم .
وفي الاعياد كانا يشربان حتى الثمالة .لم تكن الكحول مشكلة بالنسبة له قط، لكن تكاليفها اصبحت نفقة مزعجة مع ازدياد عدد افراد العائلة . عندما نقلته الشركة التي يعمل فيها الى مكتب نيويورك ادرك مارتن ان زوجته تتعاطى الكحول كثيرا فقد لاحظ انها تكون ثملة في النهار.
وبما انه ادرك المشكلة فكان عليه ان يحلل مصدرها . فالتحول من ألاباما الى نيويورك جعل زوجته مضطربة : لقد اعتادت على الدفء المثالي في البلدة الجنوبية الصغيرة ونسيج العائلة والأقارب وأصدقاء الطفولة ، لكنها الان قد فشلت في التأقلم مع تقاليد الشمال الأكثر عزلة وصرامة ، وأصبحت واجبات الامومة ورعاية البيت اكبر عبئا عليها ، وحنينها الى مسقط راسها باريس حال دون عقد صداقات جديدة في البلدة -الضاحية . فأخذت تقرأ فقط المجلات و حكايات القتل . فحياتها الداخلية لم تكتمل دون اللجوء الى خدعة الكحول .
قوضت ايحاءات الخلاعة التي انتابت مارتن نظرته السابقة الى زوجته تقويضا ماكرا. وقد انتابته مرات عديدة حالات من الحقد غير المبرر، كان شرب زوجته يفجر فيه غضبا لا يليق به وقد واجه خشونة كامنة في ايملي لا تنسجم مع بساطتها الطبيعية . فقد اعتادت على الكذب بخصوص الشرب وخدعته بحيل بعيدة عن الشك!

وقع حدث خطير عندما عاد الى البيت قبل سنة ذات مساء استقبل بصراخ صادر من غرفة الأطفال . وجد زوجته تحمل الطفلة عارية مبلولة من الحمام وقد سقطت الطفلة من يديها فارتطمت جمجمتها الغضة بحافة الطاولة فتدفق الدم غزيرا مغرقا شعر الطفلة الناعم الرقيق وكانت ايملي الام ثملة تنتحب ،وعندما وضع مارتن الطفلة في مهدها راودته رؤية مرعبة للمستقبل. في اليوم التالي تحسن حال الطفلة ماريانا واقسمت ايملي على ان لا تلمس المشروبات ابدا فأمضت عددا من الأسابيع في حالة اتزان و عزلة واكتئاب. وعادت بعد ذلك فجأة تشرب ليس الويسكي او الجين فحسب لكن كميات من البيرة او الشري او مشروبات مستوردة أيضا. ذات يوم وجد مارتن صندوق فارغا لحفظ زجاجات مشروب بنكهة النعناع .
وجد مارتن مربية ثقة لتعتني بالبيت بكفاءة. كان اسمها فيرجي وهي من الاباما أيضا . ولم يجرؤ مارتن قط على اخبار ايملي بقيمة أجرها الشهري .واخذت ايملي تتعاطى الكحول بسرية تامة قبل عودة مارتن الى البيت .وفي العادة كانت آثار الشرب لا تظهر عليها - عدا تراخ في حركتها و ثقل جفني عينيها او عدم الاكتراث والشرود الذهني كتقديم قطع التوست المطعم بشذرات الشطة الحارة . وكان بوسع مارتن ان ينسى مخاوفه عندما كانت "فيرجي" في البيت. لكن رغم ذلك ، كان القلق متأصلا في البيت فخشيته من وقوع كارثة لا يعرف حدودها قوضت هدوء حياته في تلك الأيام.
واخذ مارتن يهذي : "ماريانا " متذكرا الحادث و استدعى إعادة الطمأنينة ، فالطفلة ، ما عادت عرضة للأذى لكنها كانت عزيزة لديه. دخلت الطفلة وأخوها المطبخ واستمر مارتن في تحضير وجبة الطعام، فتح علبة شوربة ووضع قطعتين في المقلاة ثم جلس عند الطاولة واضعا ماريانا على ركبتيه كأنها راكبة على مهر. وجلس آندي يراقبهما عابثا بسنه الذي كان مقلقلا طوال ذلك الأسبوع..
قال مارتن :" آندي يا ر جل - الحلويات ، اما زال ذاك المخلوق القديم في فمك ، اقترب مني دعني القي نظرة عليه!". قال الولد: "لدي خيط كي اقتلعه به واخرج الطفل من جيبه خيطا معقدا وطلب من فيرجي ان تلف الخبط على السن ثم تربطه بمقبض الباب وتغلق الباب فجأة ! لكن مارتن أخرج منديلا نظيفا وتحسس السن المتقلقل بعناية. وقال هذا السن سوف يخرج من فم حبيبنا آندي الليلة وإلا انا اخشى كثيرا أن يصبح لدينا شجرة أسنان في العائلة.
سأل الولد باستهجانٍ:" ماذا؟"
أجاب مارتن: شجرة أسنان " وأضاف "ستقضم بسنك شيئا ما فيعلق سنك به فتبتلع السن معه والسن بدوره سيضرب حدورا في معدتك وينمو شجرة ذات اسنان صغيرة حادة بدلا من الأوراق.
قال الطفل :" شو دادي " وقد امسك بإبهامه وسبابته سنّه بثبات قائلا" : لا يوجد شجرة كتلك فلم ار أي شجرة مثلها!"
توتر مارتن فجأة عندما سمع وقع خطى ايملي نازلة على الدرج في طريقها اليهم! وأحاط الطفل الصغير شيء من الرهبة . وعندما دخلت ايملي الغرفة بدى من وجهها المتجهم وحركتها غير المتزنة انها قد عاقرت الخمر ثانية . ثم اخذت تفتح الجوارير متوترة وتجهّز الطاولة بعنف !
قالت بصوت هائج غاضب :" أنت تكلمني بذاك الأسلوب ، لا تظن اني قد نسيت لا تظن ابدا اني انسى ذلك ولو لثانية"
لكن مارتن قال " إيملي ، أرجوك ... ليس امام الأطفال" .
قالت " انت خائف ع الأطفال " لا تظن اني اصدق تخطيطك او حيلك " وانهمرت دمعتان كبيرتان على وجنتيها وأضافت " انت تحاول تأليب طفلي الصغير اندي ضدي "
وبردة فعل سكرى جثت إيملي على ركبتيها امام الطفل المذعور. وضعت يديها على كتفيه خاطبت الطفل: "اسمع يا حببي لا تصدق اية أكاذيب يخبرك بها ابوك! لا تصدق ما يقول. اسمع يا بني قل لي ما قال لك ابوك قبل ان احضر؟ " لكن الطفل نظر حائرا الى وجه ابيه قائلا :" قل لي ماذا تريد ماما ان تعرف.؟"
أجاب الاب " شجرة الاسنان"

" ماذا؟"
كرر الطفل الكلمات برعب لا يتصور . "شجرة الاسنان" ترنحت الأم و امسكت كتفي الطفل ثانية و قالت " انا لا اعرف ما تتحدث عنه ، لكن اسمع يا ىني ، امك على حق اليس كذلك ؟" وانهمرت الدموع من عينيها. تراجع الطفل بعيدا عنها لأنه كان خائفا وقد امسك بحافة الطاولة نهضت ايملي وخاطبت زوجها:" أرضيت! لقد ألّبت الطفل عليّ" وفي تلك اللحظة اخذت الطفلة ماريانا تبكي فحضنها مارتن بذراعيه.
قال مارتن " ماشي! بإمكانك ان تأخذي ابنك فانت دائما متحيزة منذ البداية ، انا لا اكترث لذلك . لكن على الأقل اتركي لي الطفل الصغير. واقترب آندي من والده ملامسا رجله وصرخ باكيا "دادي" و اخذ مارتن الأطفال الى اول الدَرج قال الأب :" آندي خذ ماريانا الى فوق وانا سألحق بكما خلال دقيقة,"
لكن الطفل سأل هامسا : "لكن ماما؟"
أجاب الاب :" امك ستكون بخير لا تقلق"
كانت ايملي تنتحب عند طاولة المطبخ وقد اخفت وجهها بثنية ذراعها وسكب مارتن كوبا من الشوربة وقدمه لها ولم يزعجه نحيبها المتقطع بصوت خشن. ولكن شدة انفعالها ،بغض النظر عن مصدره ،لامست وترا من اللين في قلبه . وعلى مضض ، لمس بيده شعرها الأسود الغامق قائلا : انهضي واشربي الشوربة. نظرت اليه وقد علت وجهها مسحة من التأنيب والتوسل. لكن لمسة يد مارتن لشعرها قد قلب فحوى مزاجها . قالت بصوت متقطع مار-مارتن " متشنجة بالبكاء "أنا خجلانة كثيرا اشعر بالخزي تماما"
قال لها :" اشربي الشوربة"
اطاعته فشربت الشوربة بأنفاس متقطعة . وبعد ان شربت كوبا ثانيا سمحت له ان يقودها الى غرفة نومهما . وأصبحت طيعة واقل عنادا . وقد القى ثوب نومها على السرير وكاد ان يغادر الغرفة عندما حلت نوبة من الحزن وصخب المشروب ثانية!
ونفذ صبره فخشّن نبرة صوته قائلا: " نظر إليّ آندي وانصرف نظر إليّ ثم ولّى" قال بحذر
قالت " لا تنس ان آندي مازال طفلا لا يفهم هذه المشاهد."

وأَضافت" يا مارتن، هل تَصَرّفت انا تصرفا خاطئا وانا ثملة؟ هل شاهدني الأطفال؟"
لقد اثّر فيه وجهها المرعوب ولامس احاسيسه رغما عنه. قال :"انس ذلك والبسي ثوب نومك ونامي فالأطفال ينسون سريعا فلن يتذكروا في الغد ما جرى اليوم " واخذت تهذي :"ابني ادار وجه عني لقد تخلى عن امه .. الأطفال__" وسيطر عليها إيقاع نوبة السكر فانسحب مارتن من الغرفة قائلا : "ناشدتك بالله ان تنامي ، الأطفال سينسون كل شيْء مع شروق شمس الغد."
وعندما قال ذلك سأل نفسه ان كان ما يقول صحيحا. سأل نفسه:" هل ينسل المشهد من الإدراك بتلك السهولة! او انه سيضرب جذوره عميقا في العقل الباطن وينبعث بعد مضي سينين طويلة؟ ". لم يعرف مارتن ما سيجري لكن البديل الأخير سبب له دوارا. فكر في ايملي وقد استحضر صباح ما بعد الاذلال والخزي . ورأى شظايا الذاكرة و الاشراقات التي توهجت بعد طمس ظلام الخزي والعار. تذكر انها كانت تتصل بمكتبه في نيويورك مرتين او ربما ثلاث او اربع مرات يوميا. وتوقع مارتن حرجه الشخصي متفكرا ان كان الاخرون معه في المكتب قد شكّوا في امره، وظن ان سكرتيرته قد ادركت المشكلة منذ وقت مبكر وانها قد رثت لحاله. فانتابته لحظة تمرد على قَدَرِه ،لقد كره زوجته.
ذات مرة عندما كان في غرفة الأطفال اغلق الباب وشعر بالأمان لأول مرة . طاحت ماريان ارضا ثم نهضت منادية:" دادي تطلّع عليّ" واستمرت تطيح ثم تنهض تنادي دادي
جلس آندي في كرسي الأطفال المنخفض يعبث بسنه المقلقل وفتح مارتن الماء في الحوض وغسل يديه في المغسلة ونادى الطفل الى الحمام.
قال مارتن : دعنا نلقي نظرة على ذاك السن وفرج فم الطفل وامسك مارتن السن : حركّه ثم فتله سريعا وإذا بسن الحليب الصدفي قد خلع من مكانه وبدى وجه آندي مذعورا ومندهشا بشيء من البهجة وملأ فمه ماء ثم مج الماء في المغسلة
قال آندي : انظر دادي انه دم! انظري يا مريانا""
احب مارتن ان يحمم أطفاله واحب اجسامهم الطرية الناعمة حين وقفا في الماء عراة قال في نفسه "لم تكن ايملي على حق عندما وصفته بالمتحيز و بينما كان مارتن يغسل جسم ولده الطري بالماء والصابون شعر ان حبا اكبر من حبه لأطفاله مستحيل. لكنه اقر بالفرق النوعي لعواطفه نحو الطفلين . وكان حبه لابنته أقوى مخلوطا بمسحة حزن ورفق قريبة من الألم. اما اسماء الدلع التي اطلقها على الأطفال فكانت مجرد سخافات الالهام اليومي وسمى الطفلة الصغيرة دائما " ماريانا ". وقد ربت على بطن الطفل الجاف وعلى اسفل جسمه وبدت وجوه الأطفال الصغيرة بعد تغسيلها زاهية كبتلات الازهار تتساوى في مظهرها البهيج !
قال أندي :" سأضع السن المخلوع تحت وسادتي ومن المفترض ان احصل على ربع دولار
سأل مارتن : لماذا؟"
أجاب الطفل كما تعرف يا دادي جوني حصل على ربع دولار مقابل سنه
سأل الاب :" ومن يضع ربع الدولار هناك" " انا كنت اعتقد وانا في مثل سنك ان الجنيات تضعه تحت الوسادة في الليل لقد كانت عشرة سنتات في زمن طفولتي".
وأضاف مارتن ” الوالدين هما من يضع ربع الدولار " سأل آندي :"انت؟"
كان مارتن يثبت الغطاء على سرير ماريانا التي نامت وبالكاد تتنفس. انحنى مارتن وقبلها على جبهتها وقبل يدها الصغيرة التي كانت كفها مفتوحة إذ ارخت يدها بجانب رأسها في هجوع عميق .

قال مارتن : تصبح على خير يا اندي يا رجل!
كان الجواب مجرد تمتمة غير مفهومة
وبعد دقيقة اخرج مارتن ربع جنيه معدني وادخله تحت وسادة مارتن . أضاء النور الليلي في الغرفة وخرج.
ثم طاف مارتن في المطبخ محضرا وجبة متأخرة ، طرق فكره انه لم يسمع قط الأطفال يذكرون شيئا عن حالة امهم و انهم شاهدوها وهي ثملة في مشهد صعب عليهم فهمه ! وغرق في التفكير : مشاهد السن ، والحمام وربع الدولار ومرور وقت الأطفال بسلاسة جرت الاحداث الخفيفة في مخيلته جريان ورق الشجر المتساقط في تيار سريع او جدول ضحل بينما ترسو أحجيات البالغين الكبار على الشاطئ وتُنسى هناك فحمد مارتن ربه على ذلك.
لكن غضبه القديم المكبوت والكامن في نفسه ثار ثانية . فها هو يجري تمزيقه في نفايات امرأة سكيرة ويتم تقويض رجولته بمهارة دقيقة بعد ان مرت ساعة عدم الفهم - فكيف يكون الحال بعد مضي سنة او نحوها؟
واضعا مرفقيه فوق الطاولة تناول الطعام بفظاظة دون ان يحس بطعمه. فالحقيقة لا يمكن اخفاؤها - قريبا تلوكه السن الاستغابة في المكتب وفي البلدة كلها. فزوجته فاجرة نعم فاجرة . فهو واطفاله باتوا مقيدين بمستقبل مخزي وتخريب لحياتهم تخريبا بطيئا
نهض مارتن تاركا الطاولة وانسل الى داخل غرفة المعيشة ، تتبع بعينه سطور كتاب لكن عقله استحضر صورا تعيسة فرأى اطفاله وقد غرقوا في نهر وزوجته تجلب له الخزي في شارع عام. ومع حلول وقت النوم كان الغضب الثقيل عبئا على صدره فجر رجليه جرا عندما صعد سلم الدرج .
كانت الغرفة مظلمة الا من نور صادر من باب الحمام . خلع مارتن ملابسه بخفة ورويدا رويدا سرى فيه تغيير غامض . لقد كانت زوجته نائمة تتنفس تنفسا هادئا له صدى جميل في الغرفة وحذاءها الخفيف عالي الكعب وجواربها المرمية بلا عناية شكلت له دعوة صامتة وكانت ملابسها الداخلية متناثرة على الكرسي. أمسك مارتن بالحزام والصدرية الحريرية الناعمة . وقف دقيقة حاملا تلك الأشياء بيده . كانت تلك اول نظرة يلقيها على زوجته ذاك المساء. واستقرت عيناه على جبهتها الحلوة وعلى قوس الحاجبين اللذين انتقلا وراثيا الى ابنتهما ماريانا والميلان في نهاية الانف الدقيق ،اما ما انتقل الى ابنه منها فقد لاحظ عظام الخد العالية واللحية الدقيقة كان جسمهما مكتنزا مرهفا متموجا وبينما كان مارتن يتأمل نوم زوجته الهادئ تلاشى عنه شبح الغضب ،فكل أفكار اللوم وتلطيخ السمعة كانت بعيدة عنه الان . اطفأ مارتن نور الحمام ورفع ستار النافذة واندس في الفراش بعناية كي لا يزعج ايملي وفي ضوء القمر تأمل زوجته آخر مرة وبحثت يده عن اللحم المجاور ٍفي ندم مواز لرغبة جامحة في تعقيد الحب الجامحٍ!


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد