نحو تعليم نهضوي و تنموي

mainThumb

28-02-2013 11:27 PM

  التعليم شرط أساسي لمجتمع حر وعادل و ديموقراطي ، ويعد التعليم بمثابة تأمين إنساني ، و من أهم عناصر وعوامل التقدم والثروة ، و  أكاد أجزم بأن التعليم لدينا  يعاني من تقييد المعرفة والعلم وفق برنامج معين و موجه ، و  أكاد أجزم بأن منظومة التربية و  التعليم لن تحقق تنمية تعليمية رائدة  ما دام صاحب القرار و المسؤول لا يمتلك رؤية واضحة و شاملة  وقيم إيجابية و رسالة تعليمية نهضوية وخطط تربوية تنموية تتكيف مع المتغيرات المستجدة ، تعمل على إزاحة النظم التعليمية المتوافقة مع السياسات المستوردة ، ولا أتردد في القول بأن تعليمنا العربي في الوقت الحاضر قد أصيب بالكَبْوة حيث نتكست حركةُ التراكم والتقدم فيه ، و أنقلب على الأعقاب، فَذْوِيت روح ُ الإبداع و الابتكار وسسقطت حركة الاجترار، بعد إن كان في قلب صنّاع الحضارة والمدنية والتاريخ.  

نعجب ويصيبنا العجب بعبارات  التطوير و الإصلاح التربوي و التنمية المستدامة  تلك التي تتصدر برامج الحكومات  المتعاقبة وأحاديث أعضاء مجلس الأمة و أساطين مستخدمي التويتر والفيسبوك ، هذا الإعجاب يعزى إلى   سحر العبارات و المصطلحات و المفاهيم و أحياناً كاريزما التربويين ، وهم بالفعل لهم كل الحق في ذلك فغالبية المتمين بالشأن التربوي و الملتحقين ببرامج الدراسات العليا الكاذبة ، قد نجحوا وأظهروا براعة في إيهام الناس العاديين . 
 
لاشك أن المنظومة التعليمية و التربوية لدينا تعاني خللاً واضحاً وترهلاً يبدو مقصوداً في بنيتها بغير استثناء في جميع مراحل التعليم العام ؛ فبداية يعمل المعلم الذي هو بالأساس وسيط تعليمي في مناخ متحرك متدافع، إلا أنه في بلدنا  تحديداً لا يعمل في أجواء مناسبة  و ظروف ملائمة و بيئات جاذبة آمنة ، وهذا ليس بكلام مسترسل؛ فنتائج الدراسات و البحوث التي تم أعدادها من قبل التربويين و الخبراء و  كافة الجهات المعنية والمهتمة برصد واقع المعلم تشير في معظمها أن المعلم يعاني قصوراً سافراً وصارخاً في اختياره و  إعداده الأكاديمي والثقافي والتربوي المهني و ظروف عمله وهذا يؤكد بأن التعليم  اليوم أصبح مهنة من لا مهنة له ، ويكابد المعلم من ظروف تكاد تكون غير صحية و غير سليمة . 
 
إن إعداد و تأهيل  المعلم في أثناء الخدمة يعاني من خلل واضح  ، فمن السفه أن نقوم بتدريب هؤلاء المعلمين على استخدام تكنولوجيا الوسائط التعليمية في التدريس وهو يجهل أساسيات التدريس نفسها ، بل وبعضهم يعاني قصوراً في إتقان مادته العلمية ، والشواهد والأمثلة التي تحفظها ذاكرتي وتعيها جيداً تشير دلائلها إلى تدني المستوى المعرفي والثقافي لديهم ، وسط هذا الخلل المتعمد في المنظومة الثقافية نجد مناهج تعليمية مستعصية على التعديل و التطوير و مواكبة المستجدات  ، بل هناك من يسعى إلى تطويع تلك المناهج بما يتفق وطرحه الفكري  . 
 
هناك ظاهرة خطيرة تطل علينا برأسها وهي ظاهرة تغريب  التعليم، فهناك من يدعو إلى التركيز على تعليم اللغة الإنجليزية على حساب تعلم اللغة العربية ،  في ظل الهوس الراهن أكاد أقارب اليقين إن تعلم مهارات اللغة العربية  في طريقها للانهيار، وقبل الربيع العربي كنت أزعم أن دمشق ومجمعها اللغوي الرصين هو الحصن الأخير للغة العربية من الانهيار،  لكن حتى سوريا تحتاج الآن إلى من يشفق بها ويترحم على وضعها البائس .
 
التعليم عندنا لم يستجب لمتطلبات التنمية في يوم من الأيام ، و لم يطمح اليوم إلى مواكبة التغيرات العالمية المتسارعة ، وتعليمنا أصبح مثل النظرة إلى المجهول البعيد رغم قربه، وبات الملمح التعليمي الوشيك هو كيف نكرس لثقافة لا تسمن ولا تغني من جوع .  إن تعليمنا باختصار أصبح محاصراً بأسئلة حارقة، كلها تؤكد على أن  تعليمينا يسير بغير خارطة طريق معبد جيداً  أو كتالوج أو نشرة توضيحية مثل تلك التي تصاحب علبة الدواء، وجميع هذه الأسئلة الحارقة أيضاً تشير إلى أننا نحدق في الماضي طويلاً ونحدق في الحاضر أطول، أما المستقبل فنحن إما لا نعمل له من الأساس، أو إننا سنكتفي بهذه المرحلة الراهنة مثلما يكتفي السقيم  الذي يعاني من مرض عضال  بالمسكنات.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد