النظام و الانتظام ؛ بين الكمال و الكلال ..

النظام و الانتظام ؛ بين الكمال و الكلال  ..

22-04-2015 10:15 PM

زارت سعاد محامية شرعية ، و دار بينهما الحوار التالي :

    سعاد : أريد ان تفرق المحكمة بيني و بين زوجي بقضية شقاق و نزاع ؛ كيما أحصل على مهري كاملين ، حيث إنه يرفض تطليقي و يابى منحي مهري المؤخر و إيفاء المقدم .

  المحامية : و هل الخلاف تشق معه الحياة الزوجية ؟ أحاولتما التفاهم و التصبر ؟ آستنفدتما وسائلكما إليهما ؟ سعاد : نعم . و إنه كذا و كذا ، و يفعل كذا و كذا ؛ فما عدت احتمل .

   المحامية : لكن لا تأملي أن تحصلي على كامل مهريك من هذه القضية إلا أن يعترف هو بمسؤوليته ، و يقر بأنك لم تساهمي في جعل الحياة بينكما تصل هاتيك المواصيل .

   سعاد : و لم لا ؟ المحامية : سيكلف القاضي حكمين محايدين من المحامين ؛ فيجلسان معكما للاستماع و لمحاولة الإصلاح ، ثم إن أبيتما ؛ فسيقدم كل منهما تقريرا إلى القاضي فيه النسبة التي يتحملها كل منكما من المسؤولية . وفي الغالب سيحكمان لك بما يزيد قليلا عن نصف مجموع المهرين . سعاد : نصف مجموع المهرين ! و لماذا ؟ و أين مظالمي من حساباتهم ؟ المحامية : ( هكذا تجري الأمور . هكذا هو النظام )!

    سعاد : أي نظام هذا ! و كيف هؤلاء يحكمون ؟ المحامية : إنه في الغالب تكون الأمور مشتبكة ، و سيكون صعبا على الحكمين و القاضي إثبات مسؤولية أي منكما . لذا سيقسمون المسؤولية بينكما ؛ و كذلك المال ؛ ستأخذين أكثر من النصف بقليل لانك أنت من بادر بالشكوى .

    و في قصة أخرى شائعة تقال عندها عبارة : ( هكذا تجري الأمور ) ؛ لجأ محمد إلى المركز الأمني ليشتكي من شقيين اعتديا عليه بالضرب دونما وجه حق حتى تأخذ الأجهزة الحكومية له القصاص منهما ، فوجدهما قد سبقاه إلى هناك ؛ بل وجد نفسه تحت الطلب .

    و زج به معهما في الحجز ! ثم بعد ساعات استدعاهم رئيس المركز و أبلغهم أن يصطلحوا فيسقطوا الدعاوى و إلا أبقى على سائرهم في الحجز . فاضطر محمد بعد تفكر قصير أن يقبل بطريقة الضابط في حل المشكلة خشية ان يلاقي في الحجز او السجن من الإذلال و الأذى أضعاف ما لاقى ، لكن قبل أن يوقع اتصل بمحام صديق له سائلا إياه إن كان من مخرج فأجابه ألا مخرج لأنها ( هكذا تجري الأمور ؛ هذا هو النظام السائد ) في حالة الشكوى المتبادلة .

    و مثل ذلكما الشاب علي إذ تخرج و طال انتظاره أن ينال وظيفة كريمة ، فقيل له أنت مقصر في حق نفسك ، لم لا تفعل ما يفعل الناس و تبحث عن أناس ذوي نفوذ يشفعون لك فتتعين كما فعل أقرانك ؟ فقال : لا و الله ، لا الوث نزاهتي بالاعتداء على حق غيري ممن ينتظر الدور .

    فقيل له : ( هذا هو النظام ! هكذا تجري الامور في البلد ) ، أو انتظر دورك حتى تصير كهلا و يتمتع بوظيفتك من عينوا بالواسطات و الشفاعات !

     إننا إن تأملنا ما عبر عنه بالنظام لعرفنا أن المقصود هو الانتظام ؛ إذ النظام يفترض أن يمثل الصورة المثالية التي يرجى من ورائها تحقيق كل من العدالة و الكفاءة ، و التي توضع عادة في شكل قوانين و تعليمات مدروسة في الأصل بعناية .

    و إنها - أي الأنظمة - برغم ما يعتريها من نقص ناجم عن القصور البشري ؛ إلا أنها لو تطبق بنزاهة و احترافية لحققت مقادير لا يستهان بها منهما . لكن عندما يغيب أحد العاملين ؛ النزاهة و الاحترافية أو كلاهما يبدأ الخلل يتسع ، و الكلال و انعدام الجدوى من الأنظمة يتفاقم ؛ فتهوي إلى الحضيض كفاءة كثير من المنظومات الاجتماعية الحساسة كالأمن و القضاء و التعليم و الاقتصاد و سواهن .

    و ما ذلك إلا لأن الانتظام التلقائي في حل المشكلات - على هيئة ما سقنا و في تسيير الأعمال و المشروعات - الناجم عن المزاجية الرعناء أو الكلال المهني يطغى على المشهد ، و يغيب النظام في حالات كثيرة عن الواقع ؛ فلا يعد النظام يغني و لا يسمن من جوع ، بل و يستغل النظام في بعض الحالات الخطيرة في تقنين الفساد المالي و الإداري و في التعمية عنهما .

    و لا يعفى ها هنا النظام من المسؤولية بالكامل في هذا التغييب الذي يفرضه عليه الفاسدون و المترهلون ؛ إذ خلوه من بذور التجديد و من أدوات المرونة فتح السبيل للانتظام التلقائي المتطفل أن ينمو على جثته و يتغذى على عصارته دون أغصانه و اوراقه التي لا تخضر و لا تزهر خالية عنها .

     إنه لكثرة التكلس التشريعي في بلادنا ، و لغياب الرقابة الشعبية عن حكوماتنا ، و لانعدام الشفافية في أجهزة دولنا ، و لتخلف مجتمعاتنا و غياب الروح الجمعية المسؤولة عن قلوبنا ، و لعقم هيئاتنا الفكرية عن طرح الحلول و البدائل ؛ فإننا لنجد أن الانتظام خنق النظام ، و الظلم قهر العدل ، و الكلال طغى على الكمال ، و العقم جدع انف الإبداع ، فغدا لسان حال الاغلبية الساحقة : ( انج سعد ؛ فقد هلك سعيد ) ، و صار الناس كقطيع من الحملان إذ هجمت عليه الذئاب فتشرذم حملانه كل على وجهه لا يلوي على شيء و لا هم له إلا النجاء و إن بالجري على عماء .

   فبصرنا اللهم بما يزيل منا الهم و يرفع عنا الذم ، و تب علينا من التقصير في ردع الظالم و في رد المظالم ، و ارزقنا حسن الاستقامة على امري الدين و الدنيا ؛ إنك ولي ذلك و القادر عليه.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تشيلسي يضم مورغان روجرز في صفقة قياسية للاعب إنجليزي

عون وترامب يتفقان على مواصلة التنسيق الأمني والدفاعي والاقتصادي

الدفاعات الجوية الكويتية تتصدى لطائرات مسيّرة إيرانية

تكلفة الحرب مع إيران بلغت 37.5 مليار دولار حتى الآن

إيران تحذر من أي هجوم على المراكز النووية والحساسة

إسرائيل تحتجز قياديا بمنظمة التحرير بالقدس لساعات وتفرج عنه بشروط

الدولار يصعد مع زيادة سعر النفط جراء التطورات بالشرق الأوسط

فنربهتشه التركي يكتفي بهدف في الفوز على غورنيك زابجة البولندي

الموازي في الجامعات الأردنية، بين ضبط الإنفاق وصون الكفاءات وحماية الاستقرار المعيشي

إسرائيل تفرج عن 3 لبنانيين بعد ساعات من احتجازهم بالجنوب

الحنيطي يبحث مع خبراء مراكز الفكر الأميركية مستجدات المنطقة

بعد حظر لعقود .. ترامب يوجه بالسماح برحلات أمريكية مباشرة إلى لبنان

لقطات من استقبال الطاقم التحكيمي الأردني المشارك بكأس العالم 2026 .. صور

صدمات

الفيصلي يتعاقد مع إحسان حداد لموسمين

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء

الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة

حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن

البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي

بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية

الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن

تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء

بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني

السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل

وفاة الفنانة الأردنية فتحية الفاعوري

بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها